أَبُو صِيْرٍ وَأَبُو قِيْرٍ

The following Arabic short story is for lower intermediate learners of Arabic. We took it from a short story book entitled Abu Seer and Abu Qeer. Kamel Kilani is the author of the story. He wrote it for native speakers of Arabic. So, it is in a more advanced Arabic. We have simplified and abridged the story to make it suitable for learners of Arabic as an additional language. 

source: hindawi.org

كَانَ أَبُو صِيرٍ حَلَّاقًا ذَكِيًّا، يَعِيشُ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ رَجُلًا فَقِيرًا جِدًّا؛ فَكَانَ أَحْيَانًا يَنَامُ، وَهُوَ جَائِعٌ. كَانَ أَبُو صِيرٍ يَشْتَكِي مِنَ الرُّكُودِ وَقِلَّةِ الْعَمَلِ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ؛ لِذَلِكَ كَانَ يُفَكِّرُ فِي السَّفَرِ إِلَى بِلَادٍ أُخْرَى.

كَانَ قُرْبَ دُكَّانِ أَبِي صِيرٍ دُكَّانُ صَبَّاغٍ اِسْمُهُ أَبُو قِيرٍ. كَانَ أَبُو قِيرٍ رَجُلًا مُخَادِعًا وَكَذَّابًا وَمَاكِرًا، وَكَانُ يُحِبُّ الطَّعَامَ كَثِيرًا. كَانَ النَّاسُ يَكْرَهُونَ أَبُو قِيرٍ، وَكَانُوا يَبْحَثُونَ دَائِمًا عَنْ صَبَّاغٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْرِقُ أَمْوَالَهُم. كَانَ أَبُو قِيرٍ يَطْلُبُ، دَائِمًا، الْأَجْرَ مُقَدَّمًا، وَيَقُولُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ: أُرِيدُ أَنْ آخُذَ الْمَالَ كَيْ أَشْتَرِيَ أَصْبَاغًا وَأَصْبَغَ ثَوْبَكَ. وَبَعْدَ أَنْ يَأْخُذَ أَبُو قِيرٍ الْمَالَ، كَانَ يَذْهَبُ إِلَى السُّوقِ، وَهُوَ يَحْمِلُ الثَّوْبَ كَيْ يَبِيعَهُ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِثَمَنِ الثَّوْبِ وَالْأَجْرِ كُلَّ مَا يُرِيدُ مِنَ الطَّعَامِ وَالْحَلْوَى.

وَعِنْدَمَا يَأْتِي صَاحِبُ الثَّوْبِ إِلَيْهِ، يُقُولُ لَهُ أَبُو قِيرٍ: كَانَ عِنْدِي ضُيُوفٌ أمْسِ؛ فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصْبَغَ ثَوْبَكَ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، يَقُولُ أَبُو قِيرٍ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ: لَقَدْ وَلِدَتْ زَوْجَتِي أَمْسِ؛ فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَصْبَغَ الثَّوْبَ. وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، كَانَ أَبُو قِيرٍ يَكْذِبُ كِذْبَةً جَدِيدَةً، وَفِي النِّهَايَةِ يَقُولُ أَبُو قِيرٍ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ: أَنَا آسِفٌ يَا صَاحِبِي؛ لَقَدْ صَبَغْتُ ثَوْبَكَ أَمْسِ وَوَضَعْتُهُ فِي الدُّكَّانِ، وَعِنْدَمَا جِئْتُ فِي الصَّبَاحِ، رَأَيْتُ قُفْلَ الدُّكَّانِ مَكْسُورًا. لَقَدْ سَرَقَ لِصٌّ مَا ثَوْبَكَ. أَنَا آسِفٌ. لَعَنَ اللَّهُ ذَلِكَ اللِّصَّ الْخَبِيثَ.

كَانَ أَبُو قِيرٍ يَكْذِبُ عَلَى كُلِّ زَبُونٍ؛ فَشَكَاهُ النَّاسُ إِلَى الْقَاضِي؛ فَأَمَرَ الْقَاضِيُ رَئِيسَ الشُّرْطَةِ أَنْ يُغْلِقَ دُكَّانَهُ. وَعِنْدَمَا جَاءَ أَبُو قِيرٍ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، كَانَ يَبْكَي وَيَصِيحُ؛ فَدَعَاهُ أَبُو صِيرٍ إِلَى دُكَّانِهِ. قَالَ أَبُو صِيرٍ: لَقَدْ نَصَحْتُكَ كَثِيرًا، يَا صَاحِبِي، أَنْ تَبْتَعِدَ عَنِ الْكَذِبِ وَسَرِقَةِ مَالِ النَّاسِ.

صَاحَ أَبُو قِيرٍ: اُصْمُتْ! مَا فَائِدَةُ كَلَامِكَ الْآنَ؟ لَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ شَيْءٍ!

تَنَهَّدَ أَبُو صِيرٍ وَقَالَ: حَسَنًا، يَا صَاحِبِي، لَا تَغْضَبْ. اِسْمَعْ! كُنْتُ أُفَكِّرُ قَبْلَ أَيَّامٍ فِي أَنْ أُسَافِرَ مِنْ هَذِهِ الْمَدِيْنَةِ الْفَقِيرَةِ إِلَى مَدِينَةٍ أُخْرَى. أَظَنُّ أَنَّنِي سَوْفَ أَحْصُلُ عَلَى عَمَلٍ جَيِّدٍ. هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَذْهَبَ مَعِي؟

قَالَ أَبُو قِيرٍ: أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَعِدَنِي بِشَيْءٍ. أُرِيدُ أَنْ نَعْمَلَ مَعًا، وَنَقْسِمَ الْمَالَ وَالطَّعَامَ بَيْنَنَا. أُرِيدُ أَنْ نَتَسَاوَى فِي كُلِّ مَا نَمْلِكُ، هَلْ أَنْتَ مُوَافِقٌ؟

اِبْتَسَمَ أَبُو صِيرٍ وَقَالَ: أَنَا مُوَافِقٌ يَا صَاحِبِي.

وَبَعْدَ أَيَّامٍ، بَاعَ أَبُو صِيرٍ دُكَّانَهُ وَاسْتَعَدَّ لِلْسَّفَرِ فِي أَوَّلِ سَفِينَةٍ، وَمَعَهُ أَبُو قِيرٍ. كَانَتِ السَّفِينَةُ كَبِيرَةً، وَكَانَ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنَ الْمُسَافِرِينَ. وَعِنْدَمَا أَصْبَحَتِ السَّفِينَةُ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ، أَخَذَ أَبُو صِيرٍ أَدَوَاتِهِ، وَقَامَ كَيْ يَبْحَثَ بَيْنَ رُكَّابِ السَّفِينَةِ عَنْ عَمَلٍ لَهُ؛ فَنَادَاهُ أَحَدُ الْمُسَافِرِينَ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَحْلِقَ لَهُ رَأْسَهُ. وَبَعْدَ أَنْ اِنْتَهَى أَبُو صِيرٍ، أَعْطَاهُ الْمُسَافِرُ بَعْضَ الطَّعَامِ وَالْمَالِ. وَدَعَا مُسَافِرُونَ آخَرُونَ أَبَا صِيرٍ؛ فَذَهَبَ إِلَيْهِم. وَعِنْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، عَادَ أَبُو صِيرٍ إِلَى صَاحِبِهِ وَمَعَهُ طَعَامٌ كَثِيرٌ؛ فَأَكَلَا مَعًا. كَانَ أَبُو قِيرٍ يَأْكُلُ بِشَرَاهَةٍ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، دَعَا قَائِدُ السَّفِينَةِ أَبَا صِيرٍ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ. قَالَ قَائِدُ السَّفِينَةِ: إِنَّكَ رَجُلٌ مَاهِرٌ وَمُؤَدَّبٌ يَا أَبَا صِيرٍ. أَنَا مُعْجَبٌ بِأَخْلَاقِكِ وَعَمَلِكَ. أُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَتَنَاوَلَ الْعَشَاءَ مَعِي اللَّيْلَةَ.

قَالَ أَبُو صِيرٍ بِأَدَبٍ: شُكْرًا أَيُّهَا الْقَائِدُ. هَذَا كَرَمٌ مِنْكَ. أَنَا آسِفٌ. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْضُرَ؛ لِأَنَّ صَاحِبِي فِي السَّفِينَةِ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ يَبْقَى وَحْدَهُ؛ لَقَدْ وَعَدْتُهُ أَنْ نَبْقَى مَعًا.

ضَحِكَ قَائِدُ السَّفِينَةِ، وَقَالَ: إِنَّكَ صَدِيقٌ وَفِيٌّ يَا أَبَا صِيرٍ. اِسْمَعْ! اِذْهَبْ إِلَى صَاحِبِكَ الْآنَ، وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ فِي الْمَسَاءِ؛ كَيْ تَأْكُلَا الْعَشَاءَ مَعِي.

وَافَقَ أَبُو صِيرٍ وَشَكَرَ قَائِدَ السَّفِينَةِ. وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ طَوَالَ الرِّحْلَةِ، كَانَ قَائِدُ السَّفِينَةِ يَدْعُو أَبَا صِيرٍ وَصَاحِبَهُ الْأَكُولَ إِلَى الْعَشَاءِ. وَفِي النَّهَارِ، كَانَ أَبُو صِيرٍ يَحْلِقُ لِلْمُسَافِرِينَ، وَيَأْخُذُ أَجْرَهُ مَالًا، وَيُعْطِي لِأَبِي قِيرٍ كُلَّ مَا يَطْلُبُهُ، حَتَّى وَصَلَتِ السَّفِينَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ.

دَخَلَ أَبُو صِيرٍ وَأَبُو قِيرٍ الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَا أَسْوَاقَهَا مُزْدَحِمَةً، وَمَلِيئَةً بِالتُّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ. قَرَّرَ أَبُو صِيرٍ وَصَاحِبُهُ أَنْ يَبْقَيَا فِي الْمَدِينَةِ أَيَّامًا؛ كَيْ يَبْحَثَا عَنْ عَمَلٍ. بَحَثَ أَبُو صِيرٍ عَنْ غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ فِي أَحَدِ الْفَنَادِقِ؛ كَيْ يُقِيمَ فِيهَا مَعَ صَاحِبِهِ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، اِسْتَيْقَظَ أَبُو صِيرٍ بَاكِرًا وَأَيْقَظَ أَبَا قِيرٍ، لَكِنَّ أَبَا قِيرٍ تَظَاهَرَ بِالْمَرَضِ وَبَقِيَ فِي فِرَاشِهِ. خَرَجَ أَبُو صِيرٍ وَحْدَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَحَثَ عَنْ عَمَلٍ. كَانَ أَبُو صِيرٍ يَقْبَلُ كُلَّ عَمَلٍ. وَفِي الْمَسَاءِ، كَانَ يَعُودُ إِلَى الْفُنْدُقِ وَمَعَهُ مَالٌ وَطَعَامٌ، فَيَأْكُلُ أَبُو قِيرٍ مَعَهُ بِشَرَاهَةٍ، وَيَنَامُ. بَقِي أَبُو قِيرٍ فِي الْفُنْدُقِ طَوَالَ شَهْرَيْنِ، يَأْخُذُ مِنْ مَالِ أَبِي صِيرٍ، وَيَأْكُلُ مَعَهُ طَعَامَهُ، وَيَنَامُ.

وَذَاتَ يَوْمٍ، قَامَ أَبُو قِيرٍ مِنْ نَوْمِهِ فَرَأَى أَبَا صِيرٍ فِي فِرَاشِهِ نَائِمًا. كَانَ أَبُو صِيرٍ مَرِيضًا جِدًّا، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَنْهَضَ. نَظَرَ أَبُو قِيرٍ إِلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ عَادَ لِيَنَامَ. وَفِي الْمَسَاءِ، بَحَثَ أَبُو قِيرٍ عَنْ طَعَامٍ فِي الْغُرْفَةِ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا. قَالَ أَبُو قِيرٍ لِنَفْسِهِ: لِمَاذَا هُوَ نَائِمٌ طَوَالَ الْيَوْمِ؟ مَاذَا سَوْفَ آكُلُ اللَّيْلَةَ؟ ثُمَّ عَادَ لِيَنَامَ، وَحِينَمَا اِسْتَيْقَظَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي، بَحَثَ أَبُو قِيرٍ فِي مَلَابِسِ أَبِي صِيرٍ، فَوَجَدَ كِيسَ نُقُودِهِ. أَخَذَ أَبُو قِيرٍ الْكِيسَ، وَخَرَجَ مِنَ الْغُرْفَةِ، وأَغْلَقَ الْبَابَ عَلَى صَاحِبِهِ. فَكِّرَ أَبُو قِيرٍ أَنْ يَهْرُبَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَى الْأَبَدِ؛ لِأَنَّ فِي الْكِيسِ مَالًا كَثِيرًا. مَشَى أَبُو قِيرٍ فِي أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَبْحَثُ عَنْ دُكَّانِ صَبَّاغٍ، حَتَّى وَجَدَ وَاحِدًا. رَأَى أَبُو قِيرٍ كُلَّ الْمَلَابِسِ مَصْبُوغَةً بِاللَّونِ الْأَزْرَقِ؛ فَاسْتَغْرَبَ، ثُمَّ نَظَرَ إَلَى مَلَابِسِ النَّاسِ فَوَجَدَهَا كُلَّهَا بِاللَّوْنَيْنِ الْأَزْرَقِ وَالْأَبْيَضِ. أَخْرَجَ أَبُو قِيرٍ مِنْدِيلَهُ الْأَبْيَضَ وَقَالَ لِلصَّبَّاغِ: اِصْبَغْ لِي هَذَا بِاللَّوْنِ الْأَحْمَرِ.

قَالَ الصَّبَّاغُ: نَحْنُ لَا نَعْرِفُ إلَا اللَّوْنَ الْأَزْرَقَ.

قَالَ أَبُو قِيرٍ: أَنَا صَبَّاغٌ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَعْرِفُ كُلَّ الْأَلْوَانِ. هَلْ تَقْبَلُ أَنْ أَعْمَلَ عِنْدَكَ؛ كَيْ أُعَلِّمَكَ؟

قَالَ الصَّبَّاغُ: لَا. نَحْنُ لَا نَقْبَلُ غَرِيبًا فِي عَمَلِنَا هَذَا.

ذَهَبَ أَبُو قِيرٍ إِلَى أَكْثَرِ مِنْ صَبَّاغٍ، لَكِنَّ الْجَمِيعَ رَفَضُوا أَنْ يَعْمَلَ عِنْدَهُم. فَكَّرَ أَبُو قِيرٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مَصْبَغَةً، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَالًا كَافِيًا. ذَهَبَ أَبُو قِيرٍ إِلَى الْمَلِكِ، وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْعَظِيمُ، أَنَا غَرِيبٌ قَادِمٌ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكُنْتُ أَعْمَلُ فِيهَا صَبَّاغًا. لَقَدْ جِئْتُ إِلَى مَدِينَتِكُم فَوَجَدتُ كُلَّ ثِيَابِ النَّاسِ فِيهَا بِاللَّوْنَيْنِ الْأَزْرَقِ وَالْأَبْيَضِ. أَنَا أَعْرِفُ كُلَّ الْأَلْوَانِ يَا مَوْلَاي، لَكِنِّي لَا أَمْلِكُ مَالًا. أُرِيدُ أَنْ أَرَى أَهْلَ مَدِينَتِكَ الْجَمِيْلَةِ يَلْبَسُونَ ثِيَابًا بِأَلْوَانٍ جَمِيلَةٍ. إِنَّ اللَّوْنَ الْأَحْمَرَ، يَا مَلِكِي الْعَظِيمِ، يُنَاسِبُكَ كَثِيرًا.

فَرِحَ الْمَلِكُ بِفِكْرَةِ أَبِي قِيرٍ، وَأَعْطَاهُ مَالًا كَثِيرًا. وَبَعْدَ أَنْ فَتَحَ أَبُو قِيرٍ مَصْبَغَتَهُ، أَتَى إِلَيْهِ كُلُّ الْأُمَراءِ وَالْأَغْنِياءِ. أَصْبَحَ أَبُو قِيرٍ رَجُلًا غَنِيًّا وَمُقَرَّبًا مِنَ الْمَلِكِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُفَكِّرْ أَبَدًا فِي صَاحِبِهِ أَبِي صِيرٍ.

كَانَ أَبُو صِيرٍ مَرِيضًا، وَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُومَ مِنْ فِرَاشِهِ. وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ هُرُوبِ أَبِي قِيرٍ، صَعَدَ صَاحِبُ الْفُنْدُقِ إِلَى غُرْفَةِ أَبِي صِيرٍ، فَوَجَدَهَا مُغْلَقَةً. بَحَثَ صَاحِبُ الْفُنْدُقِ عَنْ مِفْتَاحٍ كَيْ يَفْتَحَ الْغُرْفَةَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَيَّ مِفْتَاحٍ؛ فَكَسَرَ الْبَابَ. رَأَى صَاحِبُ الْفُنْدُقِ حَالَ أَبِي صِيرٍ؛ فَحَزِنَ وَتَأَلَّمَ، ثُمَّ أَرْسَلَ لَهُ خَادِمًا؛ كَيْ يَرْعَاهُ. بَحَثَ أَبُو صِيرٍ عَنْ مَالِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْهُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَ الْفُنْدِقِ شَيْئًا. قَالَ صَاحِبُ الْفُنْدُقِ: لَا تَحْزَنْ يَا أَخِي؛ أَنَا لَا أَحْتَاجُ مًالًا الْآنَ. عَلَيْكَ أَنْ تَهْتَمَّ بِصِحَّتِكَ.

بَقِي صَاحِبُ الْفُنْدُقِ يَهْتَمُّ بِأَبِي صِيرٍ وَيَجْلِسُ مَعَهُ. وَبَعْدَ أَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ، شُفِي أَبُو صِيرٍ، وَعَادَتْ قُوَّتُهُ؛ فَخَرَجَ مِنَ الْفُنْدُقِ كَيْ يَبْحَثَ عَنْ عَمَلٍ. مَشَى أَبُو صِيرٍ فِي الْأَسْوَاقِ، فَرأَى زِحَامًا كَبِيرًا أَمَامَ مَصْبَغَةٍ كَبِيرَةٍ جِدًّا. اِقْتَرَبَ أَبُو صِيرٍ مِنَ الْمَصْبَغَةِ، فَرَأَى خَدَمًا يَلْبَسُونَ ثِيَابًا جَمِيلَةً مُلَوَّنَةً. وَعِنْدَمَا رَأَى أَبُو صِيرٍ صَاحِبَهُ أَبَا قِيرٍ جَالِسًا فِي مَجْلِسٍ فَاخِرٍ، فَرِحَ كَثِيرًا، وَقَالَ لِنَفْسِهِ: أَنْتَ هُنَا يَا صَاحِبي! أَنَا وَاثِقٌ أَنَّه كَانَ مَشْغُولًا بِإِدَارَةِ هَذِهِ الْمَصْبَغَةِ الْكَبِيرَةِ. سَوْفَ يَفْرَحُ كَثِيرًا عِنْدَمَا يَرَانِي الْآنَ بَعْدَ أَنْ شُفِيتُ مِنْ مَرَضِي. ثُمَّ دَخَلَ أَبُو صِيرٍ إِلَى الْمَصْبَغَةِ كَيْ يُبَارِكَ لِصَاحِبِهِ.

رَأَى أَبُو قِيرٍ أَبَا صِيرٍ؛ فَصَاحَ غَاضِبًا: أَنْتَ هُنَا أَيُّهَا اللِّصُّ الْخَبِيثُ؟ لَقَدْ جِئْتَ كَيْ تَسْرِقَ ثِيَابًا أُخْرَى مِنْ مَصْبَغَتِي! يَجِبُ أَنْ أُعَاقِبَكَ الْآنَ حَتَّى لَا تَعُودَ إِلَى السَّرِقَةِ مَرَّةً أُخْرَى. ثُمَّ أَمَرَ خَدَمَهُ أَنْ يُمْسِكُوا أَبَا صِيرٍ، وأَخَذَ سَوْطًا، وَرَاحَ يَضْرِبُهُ بِقُوَّةٍ، ثُمَّ أَمَرَ خَدَمَهُ أَنْ يَرْمُوهُ فِي الطَّرِيقِ.

فَقَدَ أَبُو صِيرٍ وَعْيَهُ، وَعِنْدَمَا اِسْتَيْقَظَ، عَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ حَزِينًا مُتَأَلِّمًا. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، أَرَادَ أَبُو صِيرٍ أَنْ يَسْتَحِمَّ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنْ أَلَمِ الضَّرْبِ، وَمِنْ تُرَابِ الطَّرِيقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجِدْ حَمَّامًا. سَأَلَ أَبُو صِيرٍ النَّاسَ: أَيْنَ تَسْتَحِمُّونَ؟ فَقَالُوا لَهُ: فِي الْبَحْرِ. قَالَ أَبُو صِيرٍ لِنَفْسِهِ: غَرِيبَةٌ هَذِهِ الْمَدِينَةُ؛ إِنَّهُم لَا يَمْلِكُونَ حَمَّامًا. لا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَيُّ مَدِينَةٍ جَمِيلَةً إِلَا إِذَا كَانَ فِيهَا حَمَّامٌ. ذَهَبَ أَبُو صِيرٍ إِلَى الْمَلِكِ وقَالَ لَهُ: سَيِّدِي الْمَلِكُ، إِنَّ هَذِهِ الْمَدِينَةَ جَمِيلَةٌ جِدًّا، وَفِيهَا عَمَلٌ كَثِيرٌ. أَنَا يَا مَوْلَاي حَلَّاقٌ بَسِيطٌ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ الْمُدَنَ لَا تَكُونُ جَمِيلَةً إِلَا إِذَا كَانَ فِيهَا حَمَّامٌ. أُرِيدُ، يَا سِيدِي الْمَلِكَ، أَنْ أَطْلُبَ مِنْكُم بِنَاءَ حَمَّامًا فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ كَيْ تُصْبِحَ أَجْمَلَ.

قَالَ الْمَلِكُ: إِنَّهَا فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ. لَقَدْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ شَخْصٍ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَضَعَ خُطَّةً لِبِنَاءِ حَمَّامٍ. هَلَ تَرَى أَنَّكَ شَخْصٌ مُنَاسِبٌ؟

قَالَ أَبُو صِيرٍ: أَنَا حَلَّاقٌ بَسِيطٌ، لَكِنِّي أَعْلَمُ شَيْئًا عَنْ بِنَاءِ الْحَمَّامَاتِ. سَوْفَ أُحَاوِلُ أَنْ أَحْصُلَ عَلَى ثِقَتِكَ يَا مَوْلَاي.

قَالَ الْمَلِكُ: سَوْفَ أُعْطِيكَ مَالًا وَعُمَّالًا، وَعَلَيْكَ أَنْ تَبْنِيَ الْحَمَّامَ بِسُرْعَةٍ. وَبَعْدَ أَنْ تَنْتَهِي مِنْهُ، سَوْفَ تَحْصُلُ عَلَى ثِقَتِي... إِنْ كَانَ عَمَلُكَ جِيِّدًا.

خَرَجَ أَبُو صِيرٍ مِنَ قَصْرِ الْمَلِكِ، وَرَاحَ يَبْحَثُ عِنْ مَكَانٍ جَمِيلٍ فِي الْمَدِينَةِ؛ كَيْ يَبْنِيَ فِيهِ حَمَّامًا. وَعْنْدَمَا وَجَدَ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ، رَسَمَ خُطَّةً لِبِنَائِهِ. وَبَعْدَ أَنْ اِنْتَهَى مِنْ بِنَائِهِ وَتَجْهِيزِهِ، دَعَا أبُو صِيرٍ الْمَلِكَ. ذَهَبَ الْمَلِكُ إِلَى حَمَّامِ أَبِي صِيرٍ، فَأَعْجَبَهُ جَمَالُهُ، وَنَظَافَتُهُ، وَزَخْرَفَتُهُ، وَنِظَامُهُ. تَحَدَّثَ الْمَلِكُ مَعَ أَبِي صِيرٍ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ رَجُلٌ مُتَوَاضِعٌ يَا أَبَا صِيرٍ، وَذَكِيٌّ جِدًّا، وَعَمَلُكَ رَائِعٌ. لَقَدْ أَعْجَبَنِي عَمَلُكَ كَثِيرًا. وَفِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، زَارَ الْحَمَّامَ كُلُّ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ. أَحَبَّ النَّاسُ أَخْلَاقَ أَبِي صِيرٍ وَأَدَبَهُ، وَكَانُوا يَزُورُونَ حَمَّامَهُ دَائِمًا. دَعَا أَبُو صِيرٍ صَاحِبَ الْفُنْدُقِ إِلَى حَمَّامِهِ، وَأَكْرَمَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْكَثِيرَ مَنَ الْهَدَايَا الْغَالِيَةِ.

سَمِعَ أَبُو قِيرٍ عَنِ الْحَمَّامِ الْجَدِيدِ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ. وَعِنْدَمَا رَأَى أَبُو قِيرٍ أَبَا صِيرٍ، صَاحَ فَرِحًا، وَعَانَقَهُ بِقُوَّةٍ. قَالَ أَبُو قِيرٍ لِصَاحِبِهِ: أَيْنَ كُنْتَ يَا صَاحِبِي؟ لَقَدْ بَحَثْتُ عَنْكَ طَوِيلًا! لِمَاذَا نَسِيتَنِي؟ لَقَدْ وَعَدْتَنِي أَنْ نَبْقَى مَعًا.

اِسْتَغْرَبَ أَبُو صِيرٍ، وَقَالَ: لَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى مَصْبَغَتِكَ، لَكِنَّكَ ضَرَبْتَنِي وَطَرَدْتَنِي!

تَظَاهَرَ أَبُو قِيرٍ بَالْحُزْنِ، وَقَالَ: أَنَا آسِفٌ يَا صَاحِبي. لَقَدْ ظَنَنْتُكَ لِصَّ الثِّيَابِ. لَقَدْ كُنْتُ مَشْغُولًا وَلَمْ أَنْظُرْ إِلَى وَجْهِكَ جِيِّدًا. وَقَدْ غَيَّرَ الْمَرَضُ مَلَامِحَ وَجْهِكَ. كَانَ يَجِبُ أَنْ تُخْبِرَنِي أَنَّكَ أَبُو صِيرٍ.

صَدَّقَ أَبُو صِيرٍ كَلَامَ أَبِي قِيرٍ، وَقَالَ لَهُ: صَحِيحٌ. كَانَ ذَلِكَ خَطَئِي.

اِبْتَسَمَ أَبُو قِيرٍ وَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي يَا صَاحِبِي، كَيْفَ بَنَيْتَ هَذَا الْحَمَّامَ؟ كَيْفَ حَصَلْتَ عَلَى الْمَالِ؟

أَخْبَرَ أَبُو صِيرٍ أَبَا قِيرٍ قِصَّتَهُ كُلَّهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو قِيرٍ: لَقَدْ نَسِيتَ شَيْئًا مُهِمًّا يَا صَاحِبِي. إِنَّهُ شَيْءٌ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي حَمَّامِكَ.

قَالَ أَبُو صِيرٍ: مَا هُوَ؟

أَجَابَ أَبُو قِيرٍ: أَنْتَ حَلَّاقٌ مَاهِرٌ يَا صَاحِبِي. لَوْ حَلَقْتَ لِلْمَلِكِ فِي الْمَرَّةِ الْقَادِمَةِ، سَوْفَ تَحْصُلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُكَافَآتِ، وَسَوْفَ تُصْبِحُ حَلَّاقَ الْمَلِكِ.

فَكَّرَ أَبُو صِيرٍ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ: نَعَم. إِنَّهَا فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ.

وَبَعْدَ أَنْ خَرَجَ أَبُو قِيرٍ مِنَ الْحَمَّامِ، ذَهَبَ إِلَى الْمَلِكِ، وَقَالَ لَهُ: أنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُخْفِيَ عَنْكَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْخَبِيثِ. لَقَدْ جَاءَ إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ كَيْ يَقْتُلَكَ. لَمْ يُصَدِّقِ الْمَلِكُ كَلَامَ أَبَي قِيرٍ؛ فَقَالَ لَهُ أبُو قِيرٍ: إِنِّي أَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ جَيِّدًا. لَقَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّ مَلِكَ الْجَزِائِرِ – الَّذِي هَزَمْتَهُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ – أَرْسَلَهُ كَيْ يَقْتُلَكَ. لَقَدْ وَعَدَهُ مَلِكُ الْجَزَائِرِ بِمُكَافَأَةٍ كَبِيرَةٍ إِذَا نَجَحَ فِي خُطَّتِهِ. لَقَدْ نَجَوْتَ فِي الْمَرَّةِ الْأُوْلَى يَا مَوْلَاي.

سَأَلَ الْمَلِكُ: وَمَاهِيَ خُطَّتُهُ؟

أَجَابَ أَبُو قِيرٍ: سَوْفَ يَدْعُوكَ لِزِيَارَةِ حَمَّامِهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَسَوْفَ يَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَسْمَحَ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَكَ. وَقَدْ جَهَّزَ مُوسَى حِلَاقَةٍ مَسْمُومَةٍ.

وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ أَبُو صِيرٍ إِلَى الْمَلِكِ وَدَعَاهُ لِزِيَارَةِ حَمَّامِهِ. وَعِنْدَمَا ذَهَبَ الْمَلِكُ، طَلَبَ أَبُو صِيرٍ مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يَسْمَحَ لَهُ بِحِلَاقَةِ رَأْسِهِ. نَظَرَ الْمَلِكُ إِلَى مُوسَى الْحِلَاقَةِ الْحَادِ، ثُمَّ صَاحَ غَاضِبًا: أَيُّهَا الْمُخَادِعُ! وَأَمَرَ كَبِيرَ الْخَدَمِ أَنْ يَضَعَ أَبَا صِيرٍ فِي كِيسٍ ثُمَّ يَرْمِيَهُ فِي الْبَحْرِ.

كَانَ كَبِيرُ الْخَدَمِ يُحِبُّ أَبَا صِيرٍ كَثِيرًا، فَقَالَ لَهُ: أَنَا لَا أُصَدِّقُ كَلَامَ أَبِي قِيرٍ أَبَدًا. أَنْتَ رَجُلٌ طَيِّبٌ وَصَادِقٌ. سَوْفَ آخُذُكَ إِلَى بَيْتِي، وَعِنْدَمَا أَجِدُ سَفِينَةً ذَاهِبَةً إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، سَوْفَ آخُذُكَ إِلَيْهَا كَيْ تَعُودَ إِلَى بِلَادِكَ. إِذَا كُنْتَ بَرِيئًا يَا أَبَا صِيرٍ، فَإِنَّ الْحَقَّ سَوْفَ يَظْهَرُ.

ذَهَبَ كَبِيرُ الْخَدَمِ وَمَلَأَ كِيسًا كَبِيرًا بِالْحِجَارَةِ وَالرِّمَالِ، وَوَقَفَ عِنْدَ شَاطِئِ الْبَحْرِ. رَفَع كَبِيرُ الْخَدَمِ رَأْسَهُ إِلَى نَافِذَةِ الْقَصْرِ. كَانَ الْمَلِكُ وَاقِفًا أَمَامَ النَّافِذَةِ. أَشَارَ الْمَلِكُ لِكَبِيرِ الْخَدَمِ أَنْ يَرْمِيَ الْكِيْسَ؛ فَرَمَاهُ. وَعِنْدَمَا حَرَّكَ الْمَلِكُ يَدَهُ، سَقَطَ مِنْ إِصْبَعِهِ خَاتَمٌ كَبِيرٌ وَوَقَعَ فِي الْبَحْرِ. عَادَ الْمَلِكُ إِلَى الدَّاخِلِ حَزِينًا.

وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، جَلَسَ أَبُو صِيرٍ تَحْتَ صَخْرَةٍ كَبِيرَةً كَيْ يَصْطَادَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَنْزِلِ كَبِيرِ الْخَدَمِ، وَهُوَ يَحْمِلُ سَمَكًا كَثِيرًا. وَعِنْدَمَا شَقَّ بَطْنَ السَّمَكَةِ الْأُوْلَى، وَجَدَ خَاتَمًا كَبِيرًا فَلَبِسَهُ. عَادَ كَبِيرُ الْخَدَمِ إِلَى بَيْتِهِ، وأَرْسَلَ إِلَى أَبِي صِيرٍ خَادِمًا. أَشَارَ أَبُو صِيرٍ إِلَى الْخَادِمِ أَنْ يَحْمِلَ السَّمَكَ، فَسَقَطَ رَأْسُ الْخَادِمِ عَلَى الْأَرْضِ. صَرَخَ أَبُو صِيرٍ بِخَوْفٍ؛ فَجَاءَ كَبِيرُ الْخَدَمِ مُسْرِعًا. رَأَى كَبِيرُ الْخَدَمِ الْخَاتَمَ؛ فَصَاحَ: لَا تُشِرْ بِخَاتَمِكَ نَحْوِي. إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَإِنَّنِي سَوْفَ أَمُوتُ. إِنَّ هَذَا الْخَاتَمَ هُوَ خَاتَمُ الْمَلِكِ. يَجِبُ أْنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ هَذَا الْخَاتَمَ كَيْ يُصْبِحَ مَلِكًا. إِذَا أَشَرْتَ بِهَذَا الْخَاتَمِ نَحْوَ أَيِّ إِنْسَانٍ، فَإِنَّهُ سَوْفَ يَمُوتُ. أَنْتَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُصْبِحَ مَلِكَ الْمَدِينَةِ الْآنَ.

نَظَرَ أَبُو صِيرٍ إِلَى الْخَاتَمِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ إِصْبَعِهِ. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَ إِلَى الْمَلِكِ وَأَعْطَاهُ الْخَاتَمَ. فَرِحَ الْمَلِكُ كَثِيرًا، وقَالَ: لَا أَعْلَمُ لِمَاذَا أَنْتَ حَيٌّ الْآنَ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ الصِّدْقَ لَا يَمُوتُ أَبَدًا! أَخْبِرْنِي كَيْفَ أُكَافِئُكَ.

طَلَبَ أَبُو صِيرٍ مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يُخْبِرَهُ عَنْ سَبَبِ غَضَبِهِ، فَحَكَى لَهُ الْمَلِكُ كَلَامَ أَبِي قِيرٍ. اِسْتَغْرَبَ أَبُو صِيرٍ وَحَكَى لِلْمَلِكِ قِصَّتَهُ مَعَ أَبِي قِيرٍ مُنْذُ كَانَا فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ؛ فَغَضِبَ الْمَلِكُ غَضَبًا شَدِيدًا. أَمَرَ الْمَلِكُ حُرَّاسَهُ أَنْ يُحْضِرُوا أَبا قِيرٍ، ثُمَّ أَمَرَهُم أَنْ يَضَعُوهُ فِي كِيسٍ وَيَرْمُوهُ فِي الْبَحْرِ. طَلَبَ أَبُو صِيرٍ مِنَ الْمَلِكِ أَنْ يُسَامِحَ أَبَا قِيرٍ، لَكِنَّ الْمَلِكَ رَفَضَ؛ فَمَاتَ أَبُو قِيرٍ. أَعْطَى الْمَلِكُ أَبَا صِيرٍ مُكَافَأَةً كَبِيرَةٍ؛ فَعَادَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَأَصْبَحَ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ. عَاشَ أَبُو صِيرٍ حَيَاةً صَادِقَةً هَادِئَةً.

(1) كَانَتْ ثِيَابُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَصْبُوغَةً بِاللَّوْنِ .......................

There are no comments for this article at this moment. Add new comment .

Your email address will not be published.

@