هاجر منصور سراج
9 مارس، 2026

كنتُ سائرًا على أديم الماء، حاملًا بين أضلعي بذور الزنبق وأوراق العنب. كنتُ أعمى، وكان الماء باردًا مراوغًا؛ وكُلّما أنِس خطواتي الثابتة الراسخة، أجفل وتمدد. لم أرمش في الظلمة، ولم أستنشق الهواء حولي. كنتُ ماضيًا كي أزرع حديقتي حُبًّا، متصوّرًا بهجة الزوجة وبكاء الوليد.
ولمّا دوى صوتٌ تشقق في الغابة، تلبَّثتُ منتظرًا، وسكن الماء منصتًا معي. تمدد التشقق، وسمعنا تمدد الأطراف وأنين الوليد قبل أن يخرج العصفور رأسه من بيضته. سيشبه ابني هذا العصفور، سيرفرف جناحاه وسيزم شفتيه بحثًا عن حلمة أمّه متلقيًا العالم. سيكبر، سيقبل جبيني ويأخذ بيدي لنزرع الحديقة، ونعمر البيت، ونرفع الأسوار دون اللصوص. سيكون يدي وعكازي، وسأقصّ جناحيه كي يبقى معي.
تمدد الماء وتلاطم تحت قدمي، فرفعتُ الصور البيضاء من رأسي ومضيتُ؛ لكنّه ظلّ يراوغ ويتلوّى تحت قدمي حتّى أفلتت البذور من بين ذراعي وسقطتْ في بطن الماء، وسقطتْ خلفها ورقةٌ من أوراق العنب. جثوت، وغطستُ برأسي وذراعي أبحث عن كيسي الزهري، فلم أجده إلَّا في فم سمكةٍ متربّصة. أمسكتها بمخالبي، فلم تفلت، وأنَّت وتخبّطتْ قبل أن تلفظ بقايا بذور أزهاري.
عدتُ إلى المزرعة مبلول الذراعين والرأس. كان رأسي يقطر فضّةً ودمًّا، فلم أدخل على الزوجة حتَّى جففتُ رأسي بأوراق العنب. كان الوليد يصرخ في وجه الدنيا، وكانت الأمُّ واهنةً، ولم ترفع غير عينيها حين دخلتُ. لم يكن في البيت غير الحمائم النائحة تعينها، وقد غادرتْ مجفلةً حين دخلتُ.
رمقت الزوجة بذور الزنبق المبلولة، ثم مدّت ذراعيها إلى أوراق العنب تتنفسها، فلم تشم غير الدم، وامتقع وجهها، ولم أر غير عينيها يستحيلان ثقبين هائلين، لكنّ فمها ظلّ صخرةً صمّاء جوفاء، ولم ترجع البذور إليها صوتها.