زيتون يتدحرج

زيتون يتدحرجزيتون يتدحرج قصة قصيرة

هاجر منصور سراج

7 أكتوبر، 2026

كنا خمسة عشر ولدًا، بين الرابعة عشرة والثامنة عشرة، حين انفجرت بيوت القرية، وتطايرت أجساد النساء. كنا في ملعبنا على تلة رأينا منها جنودًا يهبطون من السماء ويجرجرون ما تبقى من الأحياء. صاح بعض الصغار منا، وأوشكوا أن يركضوا عائدين إلى القرية؛ لكن أكبرنا أدهم أمسكهم وزعق بهم:

- تعودون للموت؟

ربما لم يفهمه أحد حينئذ، فقد كنا جميعًا صغارًا، وكانت أجساد أهالينا إما ممزقة أو مسحوبة. بقينا نتشاجر حتى رأينا جنودًا يتسلقون الطريق إلينا، فهربنا. لم نفكر، ولم نسمع صوت أدهم. ركضنا خلفه وسبقناه حتى بلغنا الجبل، وتغلغلنا بين شعابه.

اقتلعنا شجيرات من الطريق واقتطعنا أغصانًا. وصلنا إلى فجوتنا، التي كنا نختبئ فيها كلما غضب منا الآباء. انسللنا إليها الواحد تلو الآخر، وغطيناها بالشجيرات والغصون. ثم تلبثنا في الزوايا منصتين لوقع أقدام الجنود تحوم حولنا، وأصواتهم تنعق فوقنا.

ولما أقفلوا راجعين إلى القرية، ربما ليفتشوا عن بقايا الأحياء ويضرموا فيهم النار، أفلتنا أنفاسنا للبكاء. رأينا أدهم يبكي، وقد سقط عنه قناع الكبر، وبدت الشعيرات على وجهه كنثرات دموع.

لم ننبس تلك الليلة، ولم نتكلم الصباح التالي. ربما ظللنا صامتين أسبوعًا كاملًا حتى بكى أصغرنا عطشانًا، فتنبهنا لجوعنا وعطشنا. وقفنا نبحث في زوايا الكهف الكبير حتى عثرنا على زاوية يقطر فيها الماء، وانكببنا فوقه نشرب كما تشرب المواشي. تدافعنا حنقين من بعضنا وغاضبين مما آلت إليه الأمور، ففرقنا أدهم.

أخذنا نفكر في طعام نأكله، وتوصلنا إلى أن يخرج ثلاثة منا بحثًا عن ذلك. تنصتنا، فلم نسمع وقع الأحذية القاسية، فرفعنا الشجيرات عن الفجوة، ودفعنا الثلاثة. انتظرنا عودتهم، وأسناننا تقضم أظافرنا.

وعندما سقطت الشجيرات، لم يسقط غير جسدان. أعدنا الستر كما كان، ثم سألنا، فأجابا:

- عُمر مات. رآه جندي وقتله.

ثم أفرغنا صرة الطعام ملطخة بالدم. تلقينا حصصنا من أدهم، وتلبثنا نكتم أنفاسنا، وننصت، فلم نسمع على مدى أيام متواصلة غير قطرات الماء. ظللنا كذلك؛ نصحو لنسمع الماء، ثم نعود لنوم ثقيل مظلم. وكلما استيقظ أحدنا، سأل:

- كم نمنا؟

فنجيب بصوت يتعثر:

- لا نعلم.

ثم نام أحدنا طويلًا، ولم نسمع صوته. رأينا ظل أدهم يهزه هزًّا عنيفًا ويناديه همسًا، ثم يصفعه. وحين لم نتلقى منه صوت، زحفنا إلى جسده، وشرعنا نتحسسه. كان على وجهه لحية، وكانت عظامه بارزة، وأظافره طويلة. لم نكن نعرف تلك الهيئة.

جررناه على قاع الكهف حتى تمزق ثوبه، ثم دفعناه خارج الفجوة، وتركناه يتدحرج على الجبل نزولًا إلى القرية. عدنا نقرفص لاهثين. لم ننبس؛ إذ كنا قد نسينا اسم صاحبنا الذي مات، ونسينا عمره، ونسينا كم صرنا.

وحين سقطت الشجيرات عن الفجوة، وسقط جسد كبير فوقنا، كان صوته كدوي القنابل، ولم ندر ما كان يقول. أطبقنا أيدينا على آذاننا، وجعلنا نتأمل لحمه وشحمه، ونشم رائحة ثيابه. كان لون زيه أخضر، وكان على كتفه بندقية. صاح أحدنا:

- جندي! جندي! سيقتلنا! اهربوا!

لم نقف، لأن أجسادنا قد اعتادت الحبو. أطلق الجندي الرصاص على صاحبنا الذي صاح، فنظرنا إلى الدم ينسكب منه أحمر، ولم ينطق أحد. نادى الجندي، فأتى آخرون، وأخرجونا. شعرنا بالشمس على جلودنا كاوية، والحجارة تحت أقدامنا حادة. تخاذلت أجسادنا طوال الطريق إلى القرية، وتدحرج بعضنا، ولم يستقروا إلا مغسولين بالدم ومحدقين في السماء.

لم يلتقطهم الجنود، وأخذوا يطلقون دويًا مترددًا من حناجرهم. قذفونا إلى مكان ضيق، ليس به نافذة. على سقفه تراصت أعمدة خشبية، فتذكرنا أن لسقوف بيوتنا القديمة المظهر عينه. خدرنا ذلك، فمضينا نتأمل السقف حتى احتجب الضوء.

تردد الدوي من حناجر الجنود، وأتى بعضهم. أطلوا علينا، وبصقوا، ثم أخذوا اثنين منا. تردد صراخ صاحبينا حولنا، لكنا لم نستطع حراكًا. عجزنا عن عد بعضنا. نظرنا إلى أدهم عله يعرف كم صرنا. قال:

- كنا خمسة عشر.

أخذنا نعد ونعد، ولا نعرف كم صرنا. قال أدهم:

- هل سيقتلوننا؟

كان صوته غريبًا، لا يشبه الدوي الذي يتردد في حناجرهم. كان صوته يتدحرج مسحوقًا، وينز زيتًا يعلق في أذهاننا. قال:

- أنا لن أموت بين أيديهم. لن أموت برصاصهم أو مشانقهم.

كان له لحية، وكان أنحل من الأعمدة الخشبية على السقف. شرع يخلع ثيابه. كانت حركاته بطيئة، وكان يلهث كل لحظة. وكلما علا صراخ صاحبينا، ارتجفنا وحدقنا في عظام أدهم. أخذ يمزق ثيابه، ويعقدها عقدة تلو أخرى. سألناه:

- ماذا تفعل؟

لم ينظر إلينا:

- لن أموت على أيديهم.

ثم علق العقدة على عمود، ونظر إلينا:

- لينحني أحدكم حتى أصعد عليه، ثم ليبتعد.

اعترتنا رجفة، ولم يقترب أحد منه. كان ينتفض وحده واقفًا، ويده تمسك الأنشوطة. رفعنا أيدينا، وأخذنا ننزع عنا ثيابنا القديمة. كانت رائحتها كريهة، وكان ملمسها غريبًا. مزقناها وعقدنها مرة تلو أخرى، لكنها أخذت تسقط من أيدينا خرقًا مهترئة. أعدنا الكرة، عقدة تلو عقدة حتى علَّقنا على السقف ست مشانق.

اصطففنا تحت مشانقنا، وبقي واحدٌ منا دون مشنقة. بكى واندفع يجذب آخر. فرَّق أدهم بينهما، وقال:

- سأنحني حتى تصعدوا جميعًا. ثم أنزل واحدًا منكم، وأقفز إلى مشنقته.

أومأنا، وجعلنا نصعد على ظهره، وندوس نتوءاته الصخرية الحادة، ثم نتدلى. واحد تلو الآخر، وأدهم يراقب أجسادنا تنتفض، ووجوهنا تنتفخ، وسيقاننا تقاوم حتى دوت صرخة صاحبينا الأخيرة، فانتفضنا مثلهما وتدلت أجسادنا ساكنة.

أقبل أدهم إلى جسد منا، وأخذ يرفعه ويسحبه لينزله. يرفعه ويسحبه، والمشنقة عالقة بعنقه. سمع وقع خطى قادمة، فأسرع يجتذب الجسد حتى تمزقت المشنقة وسقط عليه الجسد. ركض الجندي ودفع الباب شاتمًا. نظر إلى أجسادنا ولعننا. قال لنا إن صاحبينا النحيلين ماتا مثلنا، ثم جذب أدهم وجره مثلما جرجروا أحياءنا.

أخذ يصيح بأدهم حتى اجتمع عليه الجنود، يطلقون من حناجرهم الدوي، ويصفعون جسده الشاحب الناحل. أوقفوه في الساحة، وشدوه إلى عمود. لم يكن عليه غير خرقة، وكان شعره طويلًا، ولحيته شعثاء. لم يرتجف ولم يبك. تركهم يربطونه بالحبال الخشنة، وعيناه تحدقان في شجرة متداخلة الجذور، تلمع الشمس في أوراقها. لم يرهم حين جهزوا بنادقهم، ولم يسمع دوي حناجرهم. كان ينظر فقط، ثم فتح فمه، وصاح:

- يا شجرة الزيتون! يا شجرة الزيتون!

هبت الريح، فتطايرت أوراق شجرة الزيتون رمحية مثلما قذفت البنادق الرصاص على جسده؛ لكنه ظل يصيح:

- يا شجرة الزيتون! يا شجرتي!

There are no comments for this article at this moment. Add new comment .

Your email address will not be published. Required fields are marked *

@