هاجر منصور سراج
19 مارس، 2026

في عام 2023 أصدرت دار «عصير الكتب» الترجمة العربية لرواية «جُثَّة لذيذة» المكتوبة بالإسبانية، والمنشورة عام 2017، للكاتبة الأرجنتينية أجوستينا باثتيريكا (مواليد 1974). وهي عمل روائي ديستوبي من 210 صفحات، يمزج الرعب النفسي والخيال العلمي.
تحكي رواية «جثّة لذيذة» أحداثًا في زمنٍ مستقبليٍّ أُصيبت حيواناته بفيروس قاتل، جعل أيَّ إنسانٍ يلمس الحيوانات أو يأكل لحمها يموت فورًا؛ فتحوَّل البشر إلى أكل لحوم بعضهم مدفوعين بحاجتهم إلى البروتين. كانت عملية التهام البشر همجيّةً أوَّل الأمر، ثمَّ تدخَّلت الحكومات في تنظيم ذلك، فأُقيمت المجازر التي عُنيت بذبح (اللحم المخصوص) وتصنيفه بحسب النوع، وسُنّت القوانين لمنح المواطنين حرية تربية (رأس) في المنزل واستخدامه غذاءً، وأُتيح لكنيسة الفداء تقديم أعضائها لحمًا مخصوصًا لبقية البشر.
تسرد رواية «جثة لذيذة» الأحداث بتقنية السارد العليم، من وجهة نظر البطل «ماركوس تيخو» الذي يعمل في مجزر ويصارع أفكاره الإنسانية. ويتجلى صراعه هذا على طول الرواية؛ فهو يكره عمله، لكنَّه يستمر فيه. وهو يكره تصنيع وتوضيب اللحم المخصوص؛ لكنَّه لا يمانع إقامة علاقة عابرة في مجزر.
وبسبب هذا، قد يتراءى للبعض أنَّ شخصية «ماركوس تيخو» ضعيفة البناء؛ لكنَّي لا أراها كذلك. جسَّدت الشخصية الرئيسية الصراع النفسي الذي يمرُّ به البشر كُلُّهم في محاولتهم الموافقة بين العيش وفق قوانين العالم القذر، أو العيش وفق المبادئ الخاصة. وتميل الرواية آخر الأمر إلى إثبات أنَّ قوانين العالم تهيمن على كُلِّ شيء.
وأحسبُ أنَّ الرواية استهدفت فكرتين في طرحها (تضليل الحكومات، ووحشية البشر)؛ إذ حرصت الرواية على الإشارة إلى أنَّ الحكومات كذبت كذبةً عالميةً على البشر حين ادَّعت إصابة الحيوانات بالفيروس، وذلك بغرض حمل الناس على أكل بعضهم تخلُّصًا من الكوارث البشرية بأنواعها.
قد يظن القارئ أنَّ الوصف الدقيق لبيع (اللحم المخصوص) جاء لإثارة الصدمة أو لحشو الرواية. لكني لا أرى الأمر كذلك؛ فثمَّة من يبرع في توضيب الأجساد ليكون ثريًا، ومن يتلذذ بأكل اللحم الطازج من (رأس) يقتنيه في المنزل متذرعًا بالقانون والحاجة إلى البروتين، ومن يصطاد البشر لإرضاء ميوله السادي. العنف الحاضر في الرواية ليس اعتباطيًا، بل هو كشفٌ بارعٌ لوحشية البشر على مستوياتٍ عدَّة.
الرواية في مجملها ذات فكرة عبقرية، والعنف الحاضر فيها وظيفي وخادم للفكرة، رغم كثافته. وقد نفذت الرواية إلى عمق الفكرة التي استهدفتها وصوَّرتها تصويرًا رائعًا. والنهاية الصادمة ليست سوى تتويج لهذه الفكرة التي تعبِّر عن استسلام البشر للوحشية، وتحمل القارئ على البحث عن صفحة أخرى بعد آخر جملة في الرواية: (كانت لديها نظرة بشرية لحيوانٍ منزليّ).
وقد ظلَّت الرواية ذات فكرة أحادية؛ فلم تتداخل الشخصيات في صراع، ولم يصدر عنها أي موقف مؤثر. وصراع البطل في الرواية يظلُّ في رأسه فقط. ثم تنتصر الرواية في نهايتها لفكرة وحشية البشر دون أيِّ صراعٍ أو مقاومة. بل تظل الأصوات المعارضة خافتة، وترد على لسان شخصيات جانبية مغمورة.
تنتمي الرواية إلى أدب الديستوبيا الذي يُسلِّط الضوء على عنف القانون وتسخير السلطة للهيمنة. وكروايات الديستوبيا (مثل 1984)، أرى أنَّ هذه الرواية ستُخَلَّد في الذاكرة؛ ليس لأنَّ القارئ سيقع في حُبِّها، بل لأنَّ أثرها الصادم سيظلُّ باقيًا ما بقيت وحشية السلطة ووحشية الإنسان. فإذا كنتَ من عُشَّاق الديستوبيا الصادمة، فأهلًا بكَ في العالم المظلم. وإذا كنتَ من الباحثين عن قراءة هادئة مُرْضِيَة، فليس هذا كتابك. رواية «جُثَّة لذيذة» تنتهي لتبدأ في رأسك.
التقييم: 3/5