جناحا ملاك

جناحا ملاك

هاجر منصور سراج

1 يونيو، 2026


جناحا ملاك

تجهل الأم سبب تبسُّم ابنها كُلَّما انقضَّ عليه الأب بعصاه. تراه أوَّل الأمر يرتعد ويبكي، لكنَّه ما يلبث أن يزداد تبسمًا كُلَّما قويت ضربات العصا. تردد أنَّ جِنِّيًّا تلبَّسه، تردد أنَّ الولد سينتهي به الأمر تحت رحمة سوط قارئ القرآن، أو تحت صعقات كهرباء المستشفيات النفسية. لا تفهم الأمر، ولا تستطيع إقناع الأب؛ فالأب لا يرى ابتسامة ابنه، ولا يأبه إلَّا بشيءٍ واحد.

وما إن ينتهي الأب من طقسه الأسبوعي حتَّى تركض الأم لاهثةً باكيةً. تضع أكياس الثلج على وجه الولد وأضلاعه، وتبكي فوق يديه. تهمس باسمه، وتكرر اعتذارات كثيرة؛ لكنَّ الولد لا يسمعها. تراه يبتسم وتجهل لأي شيء يفعل ذاك، إلَّا أنَّها تحزر أنَّه يفعل ذاك ليواسيها.

تجهل الأم أنَّ الابن يشعر بجناحي الملاك حين تضع الثلج، ويظلُّ يتشوَّق لرؤية الملاك طوال طقس الضرب الأسبوعي. يبتسم شوقًا وفرحًا، والأم تجهل ذاك. يبتسم الابن ساخرًا لأنَّ الأم تجهل ذلك، ويردد في سرِّه أنَّها بلا ريب لم تُضْرَب في طفولتها.

لا يُخْبِر أمَّه بجناحي الملاك الباردين اللذين يرطِّبان جروحه الحارقة. لا يخبرها حتَّى لا تخبر الأب، فيُحرَم من متعته الوحيدة. هو لا يرى الملاك ولا يسمع صوته، لكنَّه يستشعر وجوده البارد يخمد كل الألم ويخرس كُلَّ الصراخ. هو لا يسمع والده حين يصرخ به، ولا يشعر بضربات العصا. هو منشغلٌ بتأمُّل جناحي الملاك الباردين يرفرفان حول الأب بانتظار أن يهدأ، ثم يحوطانه في رفق. يحطَّان على وجهه وأضلاعه، ويداعبان كفَّيه بقطرات نديَّةٍ دافئة.

يتناهى إليه أحيانًا همس الملاك، لكنَّ عقله المتعب وأذنيه الداميتين يعجزان عن التقاط النغم والحروف. لكنَّ حضور الملاك وحده يدغدغه، فيبتسم. وتجهل الأم، وهي منحنية بدموعها على كفِّ الغلام، لأي شيءٍ يبتسم.

وحين مات الأب، مات الملاك. اختفى بغتةً كأنَّه لم يكن يومًا. لم يعد يستشعر البرودة كُلَّما أنهكه الألم في قلبه أو عينيه. لا يعرف كيف كان يأتيه الملاك، وكيف يستحضره. أوجعه غيابه، فراح يضرب ظهره ويئن علَّ الملاك يفد عليه؛ لكنَّه ظلَّ محتجبًا عن عينيه وعن حسِّه.

وحين تزوَّج وأنجب، حدَّق في ابنه طويلًا. كان الطفل يناغي في مهده، وكان واقفًا يستكشف غرفة والده. وجد عصا الأب مخفيةً في صندوقٍ ثقيل، فعاد إليه الشوق. صاح الطفل في مهده ضاحكًا، فرنا إليه بنظرةٍ متأمِّلةٍ. تساءل إن كان والده يوجِّه عصاه حقًّا. هو لم يخطئ ليضرب. هو فقط كان يضحك مثلما يضحك الطفل في المهد. أكان الأب يضرب الملاك؟

دنا من الطفل وعضَّ يده حتَّى تغضَّن وجهه وانفجر باكيًا. ضحك الأب فوق وجهه، واستشعر حضور الملاك على الطفل الباكي. همس متشوِّقًا: «أخيرًا عُدْتَ!». ثم رفع عصا الأب وانقض على الطفل، ولم تعرف الأمُّ لأي شيءٍ كان الأب يبتسم.

There are no comments for this article at this moment. Add new comment .

Your email address will not be published. Required fields are marked *

@