هاجر منصور سراج
9 سبتمبر، 2025

هذا الذي يجري في عروقي ليس دمًا، بل هواءً نتنًا راكمته سنوات الحرمان والفقد. الزنزانة ضيِّقةٌ، القضبان الحديدية تتلوى أمامي ثعابينَ سامّةً. لا نافذة، فلا يصلني سوى الهواء مفعمًا بقيء الضغينة وصديد القمع.
لستُ أتذكَّرُ كيف انتهيتُ إلى هنا، لكنِّي أذكر رجلًا سحبني من عضدي ورماني على الأرضيّة الصخرية. كان المطر غزيرًا، ولم أستطع التنفُّس. كان النقاب ملتصقًا بوجهي، وكان كُلُّ نفسٍ يسحبُ غبارًا مغموسًا في الماء إلى أنفي.
غُبارُنا هائجٌ، لكنَّ المطر يطفئه فيسكن. يتراءى لنا دائمًا أنَّ كُلَّ شيءٍ سيهدأ حين يهطل المطر، لكنَّنا لم نخرج يومًا في المطر لنعرف حقيقة الصخب. وحين خرجتُ، جرَّني الرجل إلى هذا النتن المتراكم.
أينَ أنا؟ ولماذا انتهيتُ إلى هنا؟
لم يعد الرجل مذ تركني، ولا أجدُ طعامًا أو ماءً حين أصحو، ولا أشعر بجوعٍ أو عطش. كنتُ في نقطة الغياب واللاجدوى، فامتهن جسدي الصمت، وألفت عيناي العمى. كُلُّ شيءٍ واهنٌ كريهٌ، لكنَّه أضحى مألوفًا.
رُبَّما يهنأ كُلُّ شيءٍ وأستحيلُ ذرَّة غُبَارٍ يخضعها المطر. قريبًا ستموت النفس، وليُمَجَّد اسم الظلمة وما اشتق من لفظها!