
هاجر منصور سراج
12 أكتوبر، 2026
قام المجتمع الجاهلي على أساس القبيلة التي جوهرها النسب والأصل؛ فكانت كل قبيلة تفخر وتعتز بنسبها، وترى كل فرد في القبيلة راجع إلى أصل واحد. والنظام السياسي في القبيلة قائم على الإيمان بتقاليد وأعراف القبيلة، وتجمعهم في عصبية واحدة. وكانوا يجعلون شيخ القبيلة رجلًا ذكيًّا مجرِّبًا، ذا حكمة ورأي سديدين، وشجاعة وكرم؛ ويسير أفراد القبيلة كلهم وفق قوله لخدمة حقوق القبيلة، وأهمها الأخذ بالثأر. وهو الحق الذي كان يقيم حروبًا بين القبائل ويسفك دماء الرجال ويسبي النساء. ولعل هذا ما يكمن وراء مصطلح «الجاهلية» لوصف هذا العصر. فكلمة الجاهلية لا تعني الجهل ضد العلم؛ بل السفه والطيش والحمية (مروَّة، 1990).
وكانت القبيلة الجاهلية تتكون من ثلاث طبقات: أبناؤها، وعبيدها، ومواليها. غير أنَّ جماعة من الجاهليين لم ينطووا تحت هذا النظام، وتمردوا عليه لأسباب مختلفة، فسموا بالصعاليك. وهم جماعة تتضور جوعًا، لكنها تأبى التسول أو خدمة سادة القبائل؛ فتمنطقوا سيوفهم وأبوا إلا انتزاع حقوقهم بأيديهم، وهدفهم من هذا إصابة جانب من الغنى، وإعادة التوازن الاجتماعي للحياة؛ فسخروا حياتهم للسلب والنهب، وروَّعوا بذلك المجتمع الجاهلي الذي كان يأمن على نفسه بإقامة الأحلاف؛ فإذا به يجد نفسه في مواجهة لصوص لا عهد لهم ولا ذمة (مروَّة، 1990).
وهم لم يكونوا محض ظاهرة اجتماعية هوجاء، بل كان منهم الشعراء الذين خلَّدوا أفكارهم في أشعارهم؛ فمثلوا بهذا تيارًا فكريًا مناهضًا لنظام القبيلة، له رؤيته الخاصة للحياة والموت والحرية والكرامة. ورغم ريبة المجتمع ونبذهم، ظل شعرهم شاهدًا على تجربتهم الإنسانية الفريدة التي تجاوزت حدود الزمان والمكان، ونقلت إلينا قيمهم النبيلة وفلسفتهم العميقة. وقد ظل شعرهم منزويًا تحت شعر العصر الجاهلي التقليدي الذي اشتهرت فيه المعلقات، رغم تميزه من ناحية المضمون، والشكل الفني، والبنية اللغوية (الشريف، 2005).
جاء في لسان العرب «الصعلوك: الفقير الذي لا مال له. وزاد الأزهري: ولا اعتماد. وقد تصعلك الرجل إذا كان كذلك». وجاء في تاج العروس «صعلكه صعلكةً: أفقره» و«الصعلوك: الفقير». و«صعاليك العرب: ذؤبانُها. وعروة الصعاليك: هو ابنُ الورد. لُقِّب به لأنَّه كان يجمع الفقراء في حظيرةٍ فيرزقهم مما يغتنمه». وفي المعاجم الحديثة، جاء في معجم اللغة العربية المعاصرة «تصعلك الشخص: افتقر، عاش عيشة الصعلوك، أي: الفقير الذي لا يملك شيئًا. صَعْلَكة: تسكُّع وتشرُّد. (اعتاد على التسوُّل والصعلكة). وصعاليك العرب: لصوصهم وفُتَّاكُهم».
مما سبق، نتبيَّن أنَّ كلمة «صعلك» ومشتقاتها تحيل دائمًا على الفقر. وكل الاستعمالات الأخرى كالضمور والهزال إنما تدور حول معنى الفقر. أما المعاني الأخرى فقد اكتسبت تاريخيًا؛ فمعنى اللصوصية أضيف إلى الكلمة حين احترف صعاليك العصر الجاهلي اللصوصية والإغارة وسيلة للعيش. وهذا التطور الدلالي من الفقر إلى اللصوصية والخروج عن القانون، يعكس التغييرات التي طرأت على النظرة المجتمعية لهؤلاء الأفراد؛ إذ تحولوا في الوعي الجمعي الجاهلي من مجرد فقراء معدمين، يخدمون سادة الحي، إلى متمردين وخارجين عن القانون. أما إشارة المعاجم إلى الذئب في قولهم «ذؤبانهم»، فيرى حفني أنها تعمل عمل المرادف للص. وأغلب الظن أنها ترجع إلى تشرد الصعاليك وتعايشهم من الذئاب، وإلى فكرة وحدة الذئب التي تشبه وحدة الصعلوك، وإلى تشبيههم أنفسهم بالذئاب، كلوحة الذئاب في لامية الشنفرى:
وأغدو إلى القوت الزهيد كما غدا ... أزل تهاداه التنائف أطحلُ
غدا طاويًا يعارض الريح حافيًا ... يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
فلما لواه القوت من حيث أمه ... دعاه فأجابته نظائر نُحَّل
مهللة شيب الوجوه كأنها ... قداح بأيدي ياسر تتقلقل
فضجَّ وضجت بالبراح كأنها ... وإياه نوحٌ فوق علياء ثُكَّلُ
وقد ورد هذا في لسان العرب «يقال لصعاليك العرب ولصوصها: ذؤبان، لأنهم كالذئبان». كما يُرَد أيضًا إلى الجوع الذي يغلب على الصعاليك؛ إذ ورد في لسان العرب قولهم «رماه الله بداء الذئب، يعنون الجوع، لأنهم يزعمون أن لا داء له غير ذلك». وهذا بيِّن في أبيات الشنفرى السابقة.
وفي الاصطلاح الأدبي والتاريخي، اتسع مفهوم الصعلوك ليشمل أبعادًا أوسع وأعمق من مجرد الدلالة اللغوية المباشرة إلى الفقر. فالصعاليك، في الاصطلاح، جماعة من الجاهليين خرجت على طاعة قبائلهم، وعاشت حياة التشرد، واتخذت الغزو والإغارة وسيلة للدفاع وتحصيل القوت حتى ليراهم بعض النقاد محض مجموعة من قطاع الطرق الهمجيين. وهم عندهم ليسوا أصحاب ثورة تهدف إلى تحقيق إصلاح، أو تنشد مساواة اجتماعية، بل لصوص اتخذوا الإغارة والسلب وسيلة لتحقيق الغنى. وهذه الطائفة لا تعنينا، وإنما نُعنى بطائفة أخرى قدَّم أفرادها حيواتهم للتعبير عن رؤيتهم، والدفاع عن رسالتهم، وكان الشعر وسيلتهم في هذا. ويصطلح النقاد على تسميتهم بـ «الشعراء الصعاليك». وأبرزهم: الشنفرى، وتأبط شرًّا، والسليك بن السلكة، وعروة بن الورد (إسماعيل، 2015؛ خضر، 2016).
وهذه الطائفة لها جوانب سلبية وإيجابية. وبيِّن أن السلبية تضطلع بفكرة الإغارة والسلب والنهب. أمَّا الإيجابية فتتعلق بالفروسية والنبل والشجاعة، حتى ليظهر هذا الصعلوك بصورة الفارس اللص الذي يجمع الجرأة والإقدام والكرم والنبل. ومبرر هذه الإيجابية أنهم أصحاب مبادئ، وكانت الإغارة وسيلة للبذل والعطاء وإنصاف المحتاجين من أموال الأغنياء البخلاء. وكانوا يوزعون غنائمهم على الأيتام والأرامل والمرضى حتى ليضرب فيهم المثل في الكرم، وأبرزهم عروة بن الورد (مروَّة، 1990).
من هذا نخلص إلى أن مصطلح الصعلوك في الاصطلاح الأدبي يشير إلى ظاهرة مركبة تجمع بين أبعاد اقتصادية (الفقر)، واجتماعية (النبذ من القبيلة)، وسلوكية (الإغارة والسلب)، وأخلاقية (الفروسية والنبل). وهذا التعقيد في المفهوم هو ما يجعل دراسة هذه الظاهرة ثرية ومتعددة الأبعاد، ويجعل شعر الصعاليك مادة خصبة للتحليل النقدي والنفسي والاجتماعي (إسماعيل، 2015؛ مروَّة، 1990).
لم تكن ظاهرة الصعلكة وليدة نزوة فردية، بل كانت نتاجًا طبيعيًا لظروف معقدة سادت في المجتمع الجاهلي. وقد كانت الأسس التي قام عليها المجتمع القبلي مسؤولة عن هذه الظاهرة بسبب قيامها على نظام طبقي صارم أساسه قرابة الدم والنسب، ما أدى إلى تهميش طبقة كاملة وحرمانها من حقوقها الأساسية في الحياة. وهذه الطبقة هي طبقة العبيد التي كانت تمارس أدنى الأعمال التي يأنف الإنسان الحر عن القيام بها كالحل والصر. ولم يكن العبيد من السود الحبشيين فحسب، بل أيضًا من العرب الأسرى الذين لم يفتدهم أحد، ومن الرقيق الأبيض القادمين من الدول المجاورة، والمباعين في أسواق النخاسة. وكان العبيد السود أسوأ هؤلاء حظًّا؛ إذ كان العرب يتشاءمون من لونهم، ويتركون لهم أحط الأعمال، ويلقبونهم بـ (أغربة العرب)؛ علاوة على كونهم أرخص ثمنًا من العبيد البيض الذين كانوا يوكَّلون بأعمال تتطلب المهارة والذكاء. وكان العبيد السود كثيرون، وكان ينجب الرجال من الإماء السود أبناء، ولا يعترفون بهم، فيظلون عبيدًا إلا إن أحدثوا عملًا عظيمًا، وعنترة بن شداد أبرز مثال على هذا (الحكيم والإبراهيمي، 2013؛ الحربي، 2003).
وبسبب قيام المجتمع الجاهلي على الغارات للانتقام أو السلب، كان العبيد السود يقعون أسرى، ولا يجدون من يفتديهم، فيتنقلُّون من قبيلة إلى أخرى، لكنهم لا يتجاوزون في تنقلهم هذا فقرهم، أو يتخلصون من صنوف الإهانة. فيبقى العبد عبدًا في قبيلة القوم الذين اشتروه أو ولد فيهم، أو في قبيلة القوم الذين أسروه. وقد حاول هؤلاء الأغربة أن يخلقوا لأنفسهم مكانًا في قبائلهم عن طريق الفروسية والمهارة في السلاح، فترى فيهم القبيلة منفعة، فتعترف بهم؛ مثل ما حدث مع عنترة بن شداد الذي يرجح النقاد أنه لولا اعتراف والده ببنوته لانتهى به الأمر صعلوكًا لرفضه الذل والهوان. ولم يكن الأغربة الشجعان ذا حظٍّ وافرٍ مثله، فلم يحتملوا ازدراء القوم وانتقاصهم، فغادروا القبيلة وحياة الذل إلى التشرد في الصحاري، واجتمعوا ليكوُّنوا جماعة الصعاليك. وكانوا يلجئون إلى الجبال والكهوف، ويهاجمون القوافل والمارة لتحصيل القوت. وكان أغلبهم يهاجمون القبائل التي كانوا فيها، انتقامًا منهم (الحكيم والإبراهيمي، 2013؛ مروَّة، 1990؛ الحربي، 2003؛ السيف، 2009).
والفقر هو أبرز الأسباب التي أدَّت إلى ظهور الصعلكة؛ فقد عانى منه الكثيرون في المجتمع الجاهلي. كان النظام الاقتصادي الجاهلي قائمًا على ملكية القبيلة للموارد الأساسية كالمراعي والآبار، وكان الأقوياء والأغنياء منهم سيطرون على هذه الموارد؛ بينما ظل الضعفاء والفقراء على الهامش، لا يجنون ولا يغتنون مهما مر الوقت. والفقر مرتبط بالمكانة الاجتماعية. فالفقير إذ أُسِر، لم يكن له مال يفتدي به نفسه، ولم يكن له مكانة ليكترث به قومه ويفتدوه. وقد رأى الفقراء ذوو الأنفة في هذا النظام جورًا، فخرجوا عن القبيلة هادفين إلى إصابة غنى لترتفع مكانتهم. وأبرز هؤلاء عروة بن الورد. وقد عبَّر عن رأيه في قوله:
دعيني للغنى أسعى، فإني ... رأيت الناس شرهم الفقر
وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسبٌ وخير
ويقصيه الندي وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير
ويُلفي ذو الغنى وله جلالٌ ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليلٌ ذنبه والذنب جمٌّ ... ولكن للغنى رب غفور
وقوله:
خاطر بنفسك كي تصيبَ غنيمةً ... إن القعود مع العيالِ قبيح
المال فيه مهابةٌ وتجِلَّةٌ ... والفقر فيه مذلةٌ وفضوحُ
وبيِّن من هذا أن ظاهرة الفقر المدقع هي ما دفعت عروة ومن يشبهه إلى خوض غمار التشرد في صحراء مترامية الأطراف، قاسية المناخ. وهدفهم إصابة الغنى بحد السيف. وفلسفة عروة هي أنَّ الموت الحقيقي ليس إلَّا الفقر الذي يقود الإنسان إلى الذل (مروَّة، 1990؛ إسماعيل، 2015؛ الحربي، 2003)
وقد ذكرنا سالفًا أنَّ الثأر أبرز حق وواجب عند القبيلة الجاهلية. فإذا أصاب فرد من أفرادها شر من خارج القبيلة، قاموا كلهم للثأر له. وكانت حروب كثيرة تقوم من أسباب صغيرة. وحتى لا تُنهِك القبيلة نفسها بالحروب، كانوا ينبذون من يجر عليهم الجرائر والمصائب. فإذا أكثر فرد فيها من ارتكاب الجرائم أو خالف أعراف القبيلة، وأصبح ضرره أكثر من نفعه، خلعته ونفته لتحافظ على بقائها ونقائها، فيسمى بعدها خليعًا. والخليع هو الرجل الذي يجني جنايات يؤخذ بها أولياؤه، فيتبرؤون منه ومن جنايته. وبهذا يفقد حماية القبيلة ويصبح عرضة للانتقام والملاحقة. ولحماية نفسه، يصبح صعلوكًا، ويتخذ الإغارة والسلب وسيلة للعيش. وهذه الفئة مختلفة عن الفئتين السابقتين في أنَّ أصحابهم لا يحملون رغبة الحرية التي يتلهف إليها العبيد، ولا رغبة الغنى التي يقصدها الفقير. فهؤلاء وجدوا أنفسهم مجبورين على الإغارة للعيش، كقيس بن منقذ بن الحدادية الذي كان شاعرًا فتَّاكًا؛ شارك قبيلته اجتماعيًا وفنيًا، وخاض معها غمار حروبها، وقادها إلى النصر مرات كثيرة؛ ثم كثرت جناياته حتى خلعه قومه في سوق عكاظ (حنفي، 1987؛ إسماعيل، 2015؛ الحربي، 2003؛ مروَّة، 1990؛ السيف، 2009).
تعددت تصنيفات الصعاليك بين الباحثين القدامى والمحدثين بحسب المعايير المعتمدة في التقسيم. وسأقسمها هنا بناء على الدوافع. فحسب الأسباب السابقة يتبين لنا أن الصعاليك في العصر الجاهلي كانوا ثلاث فئات أنتجتها أسباب اجتماعية (عقدة اللون وعقدة النسب)، وأسباب اقتصادية (الفقر)، وأسباب سياسية (الخلع) (الحكيم والإبراهيمي، 2013؛ الحربي، 2003؛ مروَّة، 1990).
وما يجمع هذه الفئات معًا ويشكل بها مجتمع الصعاليك هو خروجها عن القبيلة بوصفها نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا. إذ سخَّر الصعاليك حياتهم للإغارة على مناطق الخصب، ورصد طرق القوافل التجارية وقوافل الحجاج القاصدة مكة؛ فخوَّفوا بهذا مجتمع القبائل وهددوا أمنهم. وقد دفعهم الجوع إلى هذا دفعًا؛ فهم يفضلون الموت على أن يتسوَّلوا ما يسد الرمق. ويصوِّر أبو خراش الهذلي هذا في قوله:
وإني لأُثوي الجوعَ حتى يملَّني ... فيذهب لم يدْنَس ثيابي ولا جِرمي
وأغتبقُ الماء القَراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلَّج ذا طعمِ
أردُّ شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطُّعم
مخافة أن أحيا برغمٍ وذلةٍ ... وللموت خيرٌ من حياةٍ على رَغْمِ
وصوَّر الشنفرى هذا في:
أُديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذكر صفحًا فأذهل
ولكل الصعاليك الصفات نفسها، فهم نحيلون، شعث، غبر، ثيابهم رثة، ميَّالون إلى التوحد مع الطبيعة وحيواناتها، جوعى. ويشتهرون بسرعة العدو، فهم عداؤون يضرب بهم المثل؛ فيقال (أعدى من الشنفرى)، و(أعدى من السليك). وقيل عن تأبَّط شرًّا إنه كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين. وكان إذا جاع لم تقم له قائمة حتى يصطاد أسمن الظباء، فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله (شوقي، 1960؛ حفني، 1987).
وكانوا يرون في الإغارة والسلب شرفًا وفروسية لأنهم ينتزعون حقهم بسيوفهم. وقد فاخروا بهذا في أشعارهم. والحق أنَّ الصعلكة في أواخر العصر الجاهلي انتهت إلى نظام يشبه نظام الفروسية لاتصافهم بالشجاعة والبأس، ولاستهدافهم الأغنياء البخلاء لا السادة الكرام، وتقسيمهم غنائمهم على المحتاجين والفقراء. وبهذا صوَّروا مستوى عاليًا من الأخلاق. غير أننا لا نعمم هذا على كل الصعاليك؛ فقد عاش بعضهم سفاحين أوغادًا (مروَّة، 1990؛ ضيف، 1979).
والصعاليك أنفسهم يميِّزون بين الصعلوك الخامل الذي يعيش ملتقطًا فضلات الناس، مهينًا ومذلًا نفسه، وبين الصعلوك المتحرِّك المتحفز الذي يضع نفسه فوق الناس، ويفرض عليهم رهبته. وهم يفاخرون بأنفسهم وبنشاطهم ومقاومتهم الجوع، وبالمخاطرة بحيواتهم في كل غارة (العماري، 2005).
يقول عروة بن الورد في الصعلوك الكسول:
لحى الله صعلوكًا إذا جن ليله... مضى في المشاش آلفًا كل مجزر
يعد الغنى من دهره كل ليلة ... أصاب قراها من صديق مسير
قليل التماس المال إلَّا لنفسه ... إذا هو أضحى كالعريش المجور
ينام عشاء ثم يصبح قاعدًا ... يحث الحصى عن جنبه المتعفر
ويقول في النوع الثاني الذي ينتمي إليه:
ولله صعلوك صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور
مطلًا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر
وإن بعدو إلا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدًا، وإن يستغن يومًا فأجدر
وقال السليك بن السلكة:
فلا تصلي بصعلوك نؤوم ... إذا أمسى يعد من العيال
ولكن كل صعلوك ضروب ... بنصل السيف هامات الرجال
والرفض والتمرد هما السمة الغالبة على نفسية الصعلوك؛ فهو يرفض الظلم الاجتماعي، والنظم القبلية القائمة على العصبية والتمييز، والخضوع للقدر، والاستسلام للواقع المرير. فشكَّل هذا الرفض موقفًا وجوديًا أسبغ على أشعارهم صبغة فلسفية عميقة تتجاوز الحكمة إلى التأمل في قضايا المصير الإنساني، كالحرية والموت (المسعودي، 2012).
انتبه النقاد منذ الأصمعي إلى اختلاف شعر الصعاليك عن بقية الشعر الجاهلي التقليدي، رغم احتوائه الموضوعات التقليدية التي عبَّروا عنها، كالفخر، والهجاء، والرثاء، والمديح، والغزل، والحكمة. ومرد هذا إلى اختلافها من ناحية المضمون والشكل الفني؛ إذ لم يعتمد الشعراء الصعاليك القالب الذي سار عليه الشعراء الجاهليون من وقوف على الأطلال ثم نسيب ثم وصف الرحلة ومشقاتها، ثم الانتهاء إلى المديح، ثم الاختتام بحكمة أو مثل سائر. بل غلبت على شعرهم المقطعات، حتى لا نجد بين أشعارهم غير مطولتين، إحداهما لتأبط شرًّا والثانية للشنفرى. ونقصد باختلافها في المضمون أنَّ الشاعر الصعلوك لم يلتزم السائر.
كان الفخر في الجاهلية موضوعًا شائعًا، وكان يصوِّر مجموعة من المثل والفضائل الإنسانية التي يخص بها الشاعر قومه ونفسه. وبيِّن من فكرة وحدة القبيلة، التي ذكرت سالفًا، أنَّ الفخر آنذاك كان فخرًا قبليًا؛ يشيد فيه الشاعر بقبيلته، وساداتها، وأيامها، وبطولاتها (إسماعيل، 2015).
وبهذا نعلم أن الصعاليك المتمردين على القبيلة لم يكونوا ليتخذوا المسار نفسه في الفخر، وهكذا عمدوا إلى الفخر الذاتي؛ فتغنَّوا بفضائلهم النفسية، كالشجاعة، والكرم، والعفة. واختصوا صفة الكرم بالفخر. وفي هذا يقول عروة بن الورد:
إني امرؤ عافي إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد
أتهزأ مني أن سَمِنتَ وأن ترى ... بوجهي شحوب الحق، والحق جاهد
أقسِّم جسمي في جسومٍ كثيرةٍ ... وأحسو قراح الماء، والماء بارد
وظل فخر الصعاليك يستقي معانيه من محيط الصعلكة؛ فتحدَّثوا عن شجاعتهم، وقوة الإرادة، وشدة البأس، والاستهانة بالموت، وأخلاقهم المستقاة من واقع حياة الصعلكة. من هذا قول الشنفرى:
وكلٌّ أبي باسل غير أنني ... إذا عرضتْ دون الطرائد أبسلُ
وإن مُدَّت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القول أعجل
كان موضوع الهجاء في الجاهلية مشهورًا بسبب قيام الحروب والمشاحنات. والهجاء خلاف الفخر؛ إذ يقوم على نقض الفضائل الإنسانية كالكرم، والشجاعة، والوفاء. وكان في الجاهلية نوعان من الهجاء؛ هجاء عفيف، وهجاء مقذع. وقد رأى النقاد القدامى أن أفضل الهجاء ما عفَّ وصدق. ولا نكاد نجد هذا الغرض عند الصعاليك إلَّا ما كان من انفعال مؤقت على موقف ساء الصعلوك، ولم تتح له فرصة الرد جسديًا. فأنا أرى أنَّ الصعاليك لم ينئوا بأنفسهم عن الهجاء عفَّةً منهم كما يرى بعض الباحثين، بل أرى أنهم لم يسلكوا إليه لأنهم يستطيعون الأخذ بثأرهم الشخصي دون توريط أحد، أو خوف أحد. وإذا استطاع شخص انتزاع حقه بيده، لم يحتج لسانه.
والقلة القليلة من الهجاء تأتي في مقطوعات بسيطة، يجرد فيها الصعلوك خصمه من القيم العليا والمثل الأخلاقية؛ فيصفه بالدناءة واللوم، ويهدم بهذا أهم مقومات الأخلاق عند العربي. من هذا قول تأبط شرًّا بأسلوب ساخر:
أغرَّك مني يا ابن نغلة علَّتي ... وبالأمس إن رابت عليَّ روائبي
وموقد نيران ثلاث فشرها ... وألأمُها إذا قُدتها غير عازبِ
سلبتَ سلاحي بائسًا وشتمتني ... فيا خير مسلوب ويا شر سالب
فإن أك لم أخشبك فيها فإنها ... نيوب أساويدٍ وشول عقاربِ
فيا ركبةَ الحمراء شرة ركبةٍ ... وكادت تكون شر ركبة راكب
أما أسلوب عروة بن الورد في الهجاء، فخفيف اللهجة، عفوي التعبير، صادق الشعور، شديد العاطفة، عفيف الألفاظ؛ تنبض فيه نبرة حزينة. من هذا هجاؤه لأخواله:
ما بي من عارٍ إخالُ علمتُه ... سوى أن أخوالي، إذا نسبوا، نهدُ
إذا ما أردت المجد، قصَّر مجدهم ... فأعيا عليَّ أن يقاربني المجد
فياليتهم لم يضربوا فيَّ ضربة ... وإني عبدٌ فيهم وأبي عبد
ثعالب في الحرب العوان، فإن تَبُخْ ... وتنفرج الجلى، فإنهم الأسْدُ
وبيِّن من هذا أن الصعاليك لم يتجاوزوا عفة الألفاظ، ومجرد الانفعال المؤقت، وأسلوب السخرية. كما لم يتجاوزوا عدة أبيات. والسليك بن السلكة في هجائه قبيلة خثعم في أسلوب ساخر، لم يتجاوز بيتًا واحدًا. يقول:
تحذرني أن أحذر العام خثعما ... وقد علمت أني امرؤ غير مسلم
وما خثعمٌ إلا لئام أدقَّةٌ ... إلى الذل والاسخاف تنمى وتنتمي
وأبرز ما حُفظ من هجاء الصعاليك، أبيات تأبط شرًّا التي قالها في حادثة تبادله الأسماء مع رجل جبان يدعى أبا وهب. إذ أنَّ الرجل الغني الجبان عرض أن يشتري اسم تأبَّط شرًّا الذي يغلب به الناس. فيروي تأبَّط شرًّا الحادث بلغة سهلة خفيفة، وألفاظ عفيفة، وأسلوب ساخر. وهذا يبيِّن أنَّ الهجاء ليس مقصودًا لذاته، وليس نابعًا من عصبية، بل من انفعال مؤقت لا يحمل إلا سخرية. يقول:
ألا هل أتى الحسناء أنَّ حليلها ... تأبط شرًّا واكتنيت أبا وهب
فهبه تسمى اسمي وسماني اسمه ... فأين له صبري على عظم الخطبِ
وأين له بأس كبأسي وسورتي ... وأين له في كل فادحةٍ قلبي
برز الرثاء في العصر الجاهلي بسبب طبيعة المنازعات والحروب، وسقوط القتلى من إخوان وأصدقاء. وكان الشعراء الجاهليون يقفون لبكاء قتلاهم بقصائد يغمرها الحزن، فيظهرون حزنهم على فراق الميت، ويعددون محاسنه وأخلاقه الكريمة، ويشيدون بمواقفه الطيبة النبيلة؛ فيأججون بهذا رغبة الثأر في قلوب أبناء القبيلة الأحياء، ويدفعونهم إلى استلال سيوفهم، وخوض جولة جديدة في الحرب علَّهم يطفؤون نار حزنهم وغيظهم. وبهذا نرى أنَّ الرثاء في الجاهلية لم يكن دافعه إلَّا تأجيج رغبة الثأر، ونتيجته حروب طويلة العقود.
ولأن الصعاليك لم تحرِّكهم العصبية القبلية، لم يرد هذا الفن في أشعارهم إلَّا قلة قالته انطلاقًا من عاطفة شخصية خاصة تجاه ابن أو أخ أو رفيق في الصعلكة، فجاء صادقًا مقصودًا لذاته. ويستغرب النقاد قلة الرثاء عند الصعاليك رغم مواجهتهم الموت وسقوط قتلى في كل غارة. ويعزوا بعضهم هذا إلى ضياع الشعر الجاهلي نفسه، وإلى عدم اهتمام القبائل برواية رثاء الصعاليك لبعضهم (إسماعيل، 2015).
وأبرز رثاء في شعر الصعاليك الجاهليين، قصيدة تأبط شرًّا في رثاء الشنفرى التي تفيض مشاعره الحزينة فيها. وقد مزج فيه بين الرثاء التأبيني (الثناء على الميت) ورثاء النواح (الذي يبكي فيه الشاعر الميت بألفاظ حزينة مبكية). يقول:
على الشنفرى ساري الغمام فرائحٌ ... غزير الكلى وصيِّب الماء باكرُ
عليك جزاءٌ مثل يومِك بالجبا ... وقد رَعفَت منك السيوف البواترُ
ويومك يوم العيكتين وعطفة ... عطفت وقد مس القلوب الحناجر
يُعد المديح من أغزر موضوعات الشعر العربي. وهو شائع بين شعراء العصر الجاهلي ونادر بين الشعراء الصعاليك. ويعزو بعض النقاد هذا إلى أنَّ الشعراء إنما سلكوا إلى المديح بغرض التكسب؛ بينما كان في الشعراء الصعاليك أنفة يفضلون معها الموت على مد أيديهم إلى الناس والتكسب بشعرهم. والحق أنَّ المديح في الجاهلية لم يُقَل كُله بغرض التكسب، وإنما كان هنالك قصائد حافزها الدافع القبلي أو إعجاب الشاعر بسلوك وأخلاق الممدوح كما كان من قصيدة زهير بن أبي سلمى التي قالها مادحًا، ولم يرد بها التكسب. وبهذا يكون مسوغ بعض قصائد المديح عند الصعاليك إعجابهم بأخلاق شخص معيِّن، وتوافقه مع قيم الصعلكة التي يعظمونها ولا يحيدون عنها، وأبرزها الكرم والإقدام. وهذا ما جعل قدامة بن جعفر يجعل للصعاليك قسمًا خاصًّا في المديح. غير أنَّ علينا التنبيه إلى أنَّ هذا المدح لا يتجاوز أبياتًا منفردة أو بضع عشر بيتًا. ومثال هذا قصيدة تأبط شرًّا التي قالها في شمس بن مالك، وفيها خلع عليه صفتي الكرم والإيثار. يقول:
إني لمهدٍ من ثنائي وقاصد ... به لابن عم الصدق شمس بن مالك
أهزُّ به في ندوة الحي عطفه ... كما هزَّ عطفي بالهجان الأوارك
لطيف الحوايا يقسم الزاد بينه ... سواء وبين الذئب قسم المشارك
يظل بموماةٍ ويمسي بغيرها ... جحيشًا ويعروري ظهور المهالك
وبيِّن من الأبيات السابقة أنَّ تأبَّط شرًّا قالها متأثرًا بموقف معين مثله مثل الهجاء. فهو رأى كرم وإيثار الشخص، وأُعجب به، فعبَّر عنه.
قد يفترض الدارس أنَّ الصعاليك لم يتناولوا هذا الغرض لابتعادهم عن بناء القصيدة الجاهلية التقليدي؛ وهذا صحيح، فدواوين الصعاليك تكاد تخلو من الغزل إلَّا بضع مقطَّعات يرد فيها ذكر صفات العفة والحياء عند المرأة، ولا يتطرقون إلى الأوصاف الحسية التي كان الشعراء الجاهليون يتفننون في وصفها. ويغلب عندهم ذكر المرأة العاذلة الحريصة على حياة زوجها أو المعيبة عليه إنفاقه المال. كما ترد صفات الحياء والعفة، مثل قول الشنفرى:
أميمةُ لا يخزي نثاها حليلها ... إذا ذكر النسوان عفت وحلتِ
فدقَّت وجلَّت واستبكرت وأكملت ... فلو كن إنسان من الحسن جُنَّتِ
يحل بمنجأةٍ من الذم بيتها ... إذا ما بيوتٌ بالمذمة حُلَّتِ
وضعف حضور المرأة في شعر الصعاليك جعل بعض الدارسين يرون في ذكرها معادلًا موضوعيًا يفرغ إليها الصعلوك بأحزانه، ويركن إليها بآلامه وهمومه. وقد قاموا بهذا انطلاقًا من حاجتهم الفطرية إلى كائن يمكن أن يشارك معه الهموم والطموحات، وأن يقف إلى جانبه في أوقات الضيق والشدة. وبهذا رأوا إنسانيتها، لا فتنتها. وكانوا يثنون على المرأة العفيفة التي تصون عرضها وبيتها. وبهذا ترى الشريف أنَّ الغزل في شعر الصعاليك تطغى فيه الجوانب الروحية على الجوانب الحسية (الشريف، 2005).
ويرى عليمات، الذي يقدم قراءة ثقافية لحضور المرأة في شعر الصعاليك، أنَّه يمكن حصر حضورها في ثلاث صور: المرأة العاذلة، المرأة الظاعنة، المرأة العاملة. وفي الصور الثلاث يرى أنَّ حضور المرأة ليس حضورًا حقيقيًا، بل رمزًا يعكس تجربتهم الواقعية في علاقتهم بالمجتمع الجاهلي، بوصفها نسقًا ثقافيًا يتجاوز المرئي والظاهر إلى المضمر النسقي. فالمرأة العاذلة ليست سوى صوت القبيلة الذي يلومه ويحاول رده عن صعلكته. من هذا قول عمرو بن برَّاقة الهمداني:
تقول سليمى لا تعرض لتلفةٍ ... وليلك من ليل الصعاليك نائم
وكيف ينامُ الليل مَن جُلُّ ماله ... حسامٌ كلون الملح أبيض صارم
ألم تعلمي أنَّ الصعاليك نومهم ... قليل إذا نام البطين المسالمُ
وصوت العاذلة يتخذ ثقافة القول ليمارس حيلة إغوائية يقتل بها روح الإقدام عند الشاعر، لكن الشاعر الصعلوك سرعان ما يعلن تمرده على صوت (المرأة/ القبيلة). ويأتي صوت العاذلة في كل أشعار الصعاليك مثبطًا مراوغًا، يبغي إقصاء الشاعر عن العمل والمغامرة والكرم. ويرد عليها الصعاليك دائمًا بمبادئهم. وبهذا يكون استحضارها مسوِّغًا لسرد مبادئ الصعلكة ورؤاها الوجودية. ويمثل صوت المرأة صوت القبيلة التي تود لو يظل الصعلوك في حدود سلطتها، لكنه يرد عليها بأنَّ فكرة الطواف والتحرر من الحصار تستهويه، ولهذا يتخلى عنها وعن فكرها وقيمها، ولا يهاب الموت على هذه الحال. من هذا قول عروة بن الورد:
أقلِّي علي اللوم يا بنة منذر ... ونامي، فإن لم تشتهي النوم فاسهري
ذريني ونفسي أم حسَّان، إنني ... بها قبل ألَّا أملك البيع مشتري
أحاديث تبقى والفتى غير خالدٍ ... إذا هو أمسى هامةً تحت صيَّرِ
تجاوب أحجار الكناس وتشتكي ... إلى كل معروف تراه ومنكر
ذريني أطوِّف في البلاد لعلَّني ... أخلِّيك أو أغنيك عن سوء محضر
فإن فاز سهمٌ للمنية لم أكن ... جزوعًا، وهل عن ذاك من متأخِّرِ
وإن فاز سهمي كفَّكُم عن مقاعد ... لكم خلف أدبار البيوت ومنظر
أمَّا صورة المرأة الظاعنة في شعر الصعاليك فقليلة؛ إذ يرتبط الظعن بالقبيلة وهجر الأماكن لأسباب تتعلق بالحرب والجفاف. والصعاليك لا يعانون هذا، فهم لا يرتبطون بمكان، ولا يستقرِّون في محل. وبهذا يرى عليمات أن حضورها رمزي؛ فالخطاب الموجه إلى المرأة الظاعنة موجه في حقيقته إلى القبيلة. ويورد قول الشنفرى مثالًا:
ألا أم عمرو أجمعت فاستقلَّت ... وما ودَّعت جيرانها إذ تولَّتِ
وقد سبقتنا أم عمرو بأمرها ... وكانت بأعناق المطي أظلَّتِ
بعينيَّ ما أمست فباتت فأصبحت ... فقضَّت أمورًا فاستقلت فولَّتِ
وهو يرى في أم عمرو رمزًا ثقافيًا للقبيلة في لحظة الرحلة والفراق، ويرى أنَّ قرار المغادرة دون وداع جيرانها سلوك استبدادي قمعي؛ إذ لا تسأل الشاعر عن رأيه في الهجر. وهو ما يعزز عند الشاعر الشعور بالهامشية. ويأتي الهجر في القصيدة بمعنى الفعل التدميري الذي يحدث قطيعة بين أفراد القبيلة. وهو ما يدفع الشاعر إلى البحث عن أدوات ثقافية جديدة يواجه بها تجربة الفقد (عليمات، 2007).
أما صورة المرأة العاملة فتشكِّل قيمة إيجابية في حياة الصعلوك؛ إذ تدرك واجباتها وتقوم بها، وتعاون الصعلوك، بل تبدو مصعلكة مثله، وهي المرأة التي يرغب بها الصعاليك، لتشكل لهم موطنًا يعودون إليه، ويتلقَّون منها الرعاية. ويورد مثال هذا أبيات الشنفرى التي قالها في تأبَّط شرًّا حين جعلوه مسؤولًا عن زادهم لمَّا غزوا، وكان يقتر عليهم مخافة أن تطول الغزوة، فيموت الغزاة جوعًا. ويتَّفق النقاد أنَّ الشنفرى كان يداعب صاحبه بوصفه بأمِّ العيال؛ بينا يفسِّر عليمات هذا تفسيرًا ثقافيًا، فيرى أنَّ النمذجة للذكوري المتصعلك بهيئة الأنثى تؤكد رغبة الشاعر في توليد صور تعوِّضه عن الحرمان والفقد، وتكسر الرهبة من الزمان. ويعزز هذا أنَّ المرأة في أبياته لم تكن زوجة أو حبيبة، بل أم تحمل همَّ أبنائها. يقول الشنفرى:
وأم عيال قد شهدت تقوتهم ... إذا أطعمتهم أوتحت وأقلَّت
تخاف علينا العيل إن هي أكثرت ... ونحن جياع أيُّ آلٍ تألَّتِ
وما إن بها ضِنٌّ بما في وعائها ... ولكنها من خيفة الجوع أبقتِ
مصعلكةٌ لا يقصر الستر دونها ... ولا تُرتجى للبيت إن لم تبيِّتِ
لها وفضةٌ فيها ثلاثون سيحفًا ... إذا آنست أولي العدي اقشعرَّتِ
إذا فزعوا طارت بأبيضَ صارم ... ورامت بما في حفرها ثم سلَّتِ
حسام كلون الملح صافٍ حديده ... جُزَارٍ كأقطاع الغدير المنعَّتِ
تراها كأذناب الحسيل صوادرًا ... وقد نهلَت من الدماء وعلَّتِ
ويرى عليمات أنَّ (أم العيال) يستحدث نسقًا أنثويًا رامزًا متمردًا على سلطة القبيلة. مما سبق نتبيَّن أنَّ الشعراء الصعاليك وظَّفوا المرأة بوصفها رمزًا يعكس تجربتهم، وخالفوا السائد في الشعر الجاهلي التقليدي الذي كان يُفتتح بالنسيب بغرض شد الانتباه (عليمات، 2007).
وعادة ما يختتم الصعاليك أشعارهم بحكمة يلخِّصون فيها تجربتهم ورؤيتهم الفكرية المختلفة عن الحكمة الواردة في الشعر الجاهلي التقليدي والممثلة لروح القبيلة. فشعرهم بشكل عام صورة صادقة لنفسياتهم وقضاياهم، وقد تميَّز بالتلاحم ووحدة الموضوع لأنَّه لم يرد إلَّا مقطَّعات، فيبتدؤون بغرض القصيدة، لا بمقدمات طللية، أو غزلية، أو وصفية. وبيِّن من أشعارهم أنَّهم لا يقصدون التنميق ولا يتمهلون في قول الشعر، بل يأتي سريعًا، عفو الخاطر. والحكمة التي ترد نهاية هذه الأشعار العفوية، تأتي عصارة مصائب الدهر التي حلَّت عليهم. وقد يوردون الحكمة في بداية قصائدهم، فيعبِّرون بهذا عن جديتهم في كتابة أفكار جديدة أو تاريخ بديل بعد تحطيم تاريخ القبيلة وثقافتها (المسعودي، 2012؛ مروَّة، 1990؛ الشريف، 2005).
ويمكن تلخيص حكمة الصعاليك في أشعارهم في ثلاثة أنواع: حكمة الجوع، حكمة المروءة، حكمة الموت. فأشعار الصعاليك مليئة بصرخات الجوع، لكنَّهم يفلسفون الجوع، فيجعلونه كائنًا قابلًا للمماطلة والتجاهل. وبهذا يجسدون الصبر والإباء في مواجهة مجتمع القبيلة المتماسك، ويحققون وجودهم ضمن مبادئهم الخاصة. وهذا الجوع لا يمنعهم من اقتسام وجبة ضئيلة، فيحققون بهذا قيمة المروءة. وجلي هذا في أبيات عروة بن الورد التي يذكر فيها تقسيم جسمه جسومًا كثيرة. وفي قول تأبَّط شرًّا الذي يدافع فيه عن كرمه ويحث على إنفاق المال على الفقراء:
أعاذلتي إن اللوم معنفة ... وهل متاع وإن أبقيته باقي
وحكمة المروءة هي خلاصة حياة الصعاليك في الصحراء، ونتيجة تجاربهم القاسية. ولهذا نستشعر حرارة انفعالهم مخالفين بهذا رصانة الحكمة الواردة في الشعر الجاهلي القبلي. وهذه الحياة القاسية جعلتهم ينظرون إلى الموت نظرة فريدة. فهو نهاية آتية لا ريب، لكن على الإنسان أن يحظى بميتة معينة؛ ميتة يختارها بنفسه لتكون ميتة عز وشرف. يقول تأبَّط شرًّا في رثاء الشنفرى:
وأجمل موت المرء - إن كان ميتًا ... ولا بد يومًا موته وهو صابر
وخفَّض جأشي أن كل ابن حرةٍ ... إلى حيث صرت لا محالةَ صائر
وإن سوام الموتِ تجري خلالنا ... روائح من أحداثه وبواكر
ورغم هذا، هم يؤثرون الحياة على الموت؛ فيطلقون سيقانهم للريح في كل غارة كي يعودوا أحياء، ولا يرون في الفرار عيبًا، بل إن رجعتهم أحياء غنيمة بحد ذاتها، مخالفين بهذا عرف القبيلة القائل بالموت في أرض المعركة وإن كان هنالك سبيل للنجاة. يقول تأبط شرًّا في هذا:
ولم أنتظر أن يدهموني كأنهم ... ورائي نحلٌ في الخلية داكنا
ولا تصيب النافذات مقاتِلي ... ولم أك بالشد الذليق مدانيا
فأرسلت مثنيًا عن الشر عاطفًا ... وقلت تزحزح لا تكونن صائنا
وبيِّن من هذا أنَّ الصعاليك لم ينخرطوا في مواضيع الشعر الجاهلي التقليدي؛ بل كانت لهم مواضيعهم الخاصة التي تناولت حياة الصعلكة، فصوَّروا في أشعارهم غاراتهم بكافة تفاصيلها. والغارة هي قوام حياة الصعاليك، فيفاخرون في أشعارهم ببطولاتهم وقدرتهم على النجاة من المخاطر، ويروون مغامراتهم منذ وضع الخطة، إلى التربص بالهدف والإطباق عليه، ثم المعركة القائمة بين الطرفين، ثم كيف غنموا أو فرُّوا بحياتهم وعادوا سالمين. ولم يكن الصعاليك يغامرون مغامرة فاشلة. وإن وقعوا في ذلك، اعترفوا بهزيمتهم أمام خصومهم، وقد يتفاخرون بها. وإذا أسروا، استفدوا (مروَّة، 1990؛ ربابعة، 1998).
وبيِّن أنَّ الجوع هو الدافع إلى غاراتهم؛ فهم فقراء يلتمسون الغنى عند الأغنياء البخلاء. ولهم دافع آخر نفسي يتمثل في شجاعتهم وإيمانهم بالكر والفر، وطمعهم في الغنى أو على الأقل الاكتفاء الذاتي. ولبعضهم رغبة الانتقام بعد الشعور بالإهانة الذي تلقوه من قبائلهم السابقة، كما كان من أمر الشنفرى الذي أحنقه قول بنت سيده، فثار وسخَّر غاراته للانتقام منهم. وقد كانوا يبتدؤون أشعار الإغارة بالحديث إلى المرأة، مصرحين بقيمهم ومبادئهم، ومعلنين أنهم لا يبالون بحيواتهم ولا يحرصون عليها. مثال هذا قول الشنفرى:
دعيني وقولي بعد ما شئتِ إنني ... سيغدى بنعشي مرةً فأغيَّبُ
وهو لا يطيل الحديث مع المرأة، لأنه متعجِّل للقاء رفاقه، ولأنَّ موقف الإغارة لا يحتمل التأجيل. ثم يذكر أنَّهم كانوا ثمانية، وقد خرجوا كالذئاب مسرعين دون أن يوصوا أحدًا بأهاليهم:
خرجنا فلم نعهد وقلَّت وصائنا ... ثمانية ما بعدها متعتِّب
سراحين فتيان كأن وجوههم ... مصابيح أو لونٌ من الماء مذهب
وعجلهم هذا يمنعهم من التزود بالماء رغم علهم أنَّهم سيحتاجونه. وبعد ثلاثة أيام سيبلغون هدفهم:
نمر برهو الماء صفحًا وقد طوت ... ثمائلنا والزاد ظن مغيِّب
ثلاثًا على الأقدام حتى سما بنا ... على العوص شعشاع من القوم مِحرَب
ثم يأخذ في تصوير المعركة التي دارت قبيل الفجر حين تنبَّه الحي إلى هجومهم، فصاحوا، وصاح الصعاليك، ودارت رحى المعركة:
فثاروا إلينا في السواد فهجهجوا ... وصوَّت فينا بالصباح المثوِّب
فشنَّ عليهم هزَّة السيف ثابت ... وصمَّم فيهم بالحسام المسيبُ
وظلت بفتيان معي أتقيهم ... بهن قليلًا ساعة ثم خيَّبوا
وقد خر منهم راجلان وفارسٌ ... كمى صرعناه وخومٌ مسلَّب
يشن إليه كل ريعٍ وقلعة ... ثمانية، والقوم رجلٌ ومقنب
وبعد هذه الغارة الناجحة، عاد الصعلوك ورفاقه سالمين، وأخذوا يحدثون جماعة الصعاليك ببطولتهم:
فلما رآنا قومُنا قيل أفلحوا ... فقلنا اسألوا عن قائل لا يكذَّب
وبيِّن من هذا أنَّ شعر الإغارة تنخرط تحته كل التصنيفات التي يصنفها البعض: شعر المغامرة، شعر المراقب، شعر الأسلحة، شعر الكر والفر، شعر أحاديث الرفاق. وقد لا يبدأ الشاعر القصيدة بالخروج، بل بعد أن خرج وظفر بالغنيمة، كما في مقطوعة السليك التي تبدأ بـ:
وعاشية راحت بطانًا ذعرتها ... بسوط قتيل وسطها يتسيَّف
وقد يبدؤون بالحكمة قبل رواية المغامرة، كأنما يبدؤون بطرح درس نظري في الحيلة أو التدبير، ثم يوردون لذلك مثالًا، كما في أبيات تأبط شرًّا المبدوءة بـ:
إذا المرء لم يحتل وقد جدَّ جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر
وقد يبدؤون من وضع المراقبة، حيث يتربص الشاعر بالهدف محصيًا عدد القوم وأسلحتهم وزادهم، ثم يعود إلى جماعته بالمعلومات، كقول الشنفرى:
ومرقبة عيطاء يقصر دونها ... أخو الضرورة الرجل الخفيف المشفق
وينزل تحت شعر الإغارة التهديد والتوعد الذي يلقيه الصعاليك على أعدائهم، ثم يصدقونهم، ويباغتونهم بغارة يغنمون منها. من هذا قول الشنفرى متوعدًا بني سلامان:
أبغي بني صعب بن مُرٍّ بادرهم ... وسوف ألاقيهم إن الله أخَّرا
ويومًا بذات الرَّسِّ أو بطن منجل ... هنالك نبغي القاصي المتغوِّرا
وجلي أنَّ وصف الأسلحة جزء من شعر الإغارة؛ فهي وسيلتهم في الإغارة إلى جانب سرعة دوهم. وأكثر الأسلحة تكرارًا في شعرهم السيف والسهم والقوس لطبيعتها الهجومية. والقوس والسهم محببان أكثر لقدرة الصعلوك على الهجوم عن بعد دون الالتحام، ما يمكنه من الفرار حال شعر بوقوعه. وهم يرون أنفسهم غير مغلوبين ما دامت معهم أسلحتهم، يقول الأعلم الهذلي:
متى ما تلقني ومعي سلاحي ... تلاق الموتَ ليس له عديل
ويذكرون أسلحتهم في أشعارهم ويصفونها وصف المفتون بها، فيفصِّلون القول في لونها، وشكلها، وصوتها، وطريقة صنعها واستخدامها، وقيمتها عندهم وفي أرض المعركة. ويكثر في شعر الشنفرى وصف القوس، فهي صفراء من كثر استخدامها وتعرضها للشمس، وقد تكون حمراء، وصوتها كصوت ثكلى. يقول:
وردتُ بمأثور يمان وضالة ... تخيَّرتها مما أريض وأرصف
أركبها من كل أحمر غائر ... وأنسج للولدان ما هو مقرف
وتابعت فيه البري حتى تركته ... يرن إذا أنزفته ويزفزف
بكفي منها للبغيض عُراضةٌ ... إذا بِعتُ خلًا ما له متعرَّف
ويذكرون الرفاق كما في أبيات الشنفرى السابقة التي يصف فيها خروجه مع ثمانية أفراد، ويذكر ما فعل ثابت (تأبط شرًّا) وما فعل المسيب. وإن فشلوا في الإغارة كان عليهم الفرار، وهو الجانب المقابل للنصر. وهم يذكرونه في شعرهم شأنه شأن النصر؛ فهو شيء يفخرون به، إذ يعودون بأرواحهم غنيمة، كما يتيح لهم الفرار استعراض أكبر ميزاتهم، وهي العَدو السريع. فيدرك العدو حين يراهم أنَّ لا قبل لهم بهم. يقول أبو خراش عن فراره:
فإن تزعمي أني جبنتُ فإنني ... أفر وأرمي مرةً كل ذلك
أقاتل حتى لا أرى لي مُقاتلًا ... وأنجو إذا ما خفتُ بعض المهالكِ
وعلينا القول بعد هذا أنَّ شعر الصعاليك امتاز بعدة ميزات، هي الأصالة والشاعرية الصادقة؛ إذ لم يقولوا الشعر إلَّا للتعبير عن أنفسهم، فجاء أصيلًا بفكرته وصادقًا. كما تميزت بوحدة الموضوع، لاعتمادها التركيز والقصر؛ فهم لم يحتاجوا الإطالة أو أغراضًا عديدة. وإنما يمكن إدراج كل ما تناولوه تحت مسمَّى شعر الإغارة. وكان هذا بالنسبة إليهم أشبه بالمشهد الفني المختصر الذي يؤدي دوره وينتهي، فلم يلتفوُّا حول المواضيع، ولم يكترثوا لغير الصعلكة. كما لم يأبهوا بالتصريع أو الرعاية الفنية لأشعارهم، بل جاءت عفو الخاطر، وجاءت ألفاظ قصائدهم غريبة معقَّدة. وهذا ليس من قبيل التصنع، بل هي نتاج طبيعي لحياة التوحش والمطاردة التي عاشوها بعيدًا عن مخالطة القبائل. وبهذا أعلنوا القطيعة مع الشعر الجاهلي التقليدي (الشريف، 2005).
بيِّن مما سبق أنَّ جميع الصعاليك العرب سلكوا الأسلوب نفسه في الحياة؛ إذ آمنوا أنَّه الأسلوب الوحيد الذي يستطيعون به رفع ظلم القبيلة عنهم، ويقاومون به الظروف الجغرافية؛ سواء كانوا من الغرباء، أو الخلعاء، أو الفقراء. وقد اعتبروا الصعلكة الطريقة الوحيدة لمجابهة فكرة العصبية، فأمضوا حياتهم بعد ذلك دون منازل أو أهل يحمونهم. وأساس حركة الصعلكة هي قوة الفرد النفسية والجسدية، وهو يتحمَّل وحده جرائره ومصائبه، ولا يدخل في وضعه هذا حربًا لا يعرف كيف كَبُرَت (خليف، 1978).
على أن من الواضح أيضًا أنَّ الصعاليك لم يجسدوا ذات الموقف في حياتهم الجديدة؛ إذ أنَّ بعضهم تمرَّدوا على القبيلة لإظهار بطولتهم الفردية، والانتقام ممن آذوهم حين كانوا منخرطين في القبيلة كالشنفرى الذي جعل قتل المزيد من بني سلامان هدفًا، وتأبَّط شرًّا والسليك بن السلكة اللذين كانت الصعلكة طريقًا لممارسة نزعة الشر التي لطالما جرَّت على القبيلة الجرائر. وهنالك شخصيات أخرى كان لها رؤية وجودية خاصة، إذ رأت في الصعلكة وسيلة إنسانية لرفع الظلم عن المظلومين وحماية المستضعفين. وأورد هنا أشهر ثلاثة: الشنفرى، تأبط شرًّا، عروة بن الورد.
لا يختلف الرواة في أنَّ الشنفرى أسود من أزد شنوءة التي استطونت منطقة السراة بين مكة والمدينة. ويدل على سواد لونه اسمه. فالشنفرى تعني الرجل غليظ الشفتين، وهي ميزة العبيد السود، التي يرى بها بعض الرواة أنَّ أمه كانت أمة سوداء أو من دماء مختلط. ويتفق الرواة على أنَّه انتقل من قومه إلى بني شبابة بن فهم، ثم انتقل منهم إلى بني سلامان بن مفرد من الأزد. وفي أسباب تنقله الكثير من الروايات، وأكثرها دورانًا أنَّ بني شبابه بن فهم أسروه في بعض غاراتهم على بني الأواس بن الحجر. ثم أسر بني سلامان رجلًا من بني فهم، فافتدى نفسه بالشنفرى. وقد عاش في بني السلامان على أنَّه منهم حتى أنَّ سيده كان يعامله معاملة الابن. وحين نادى الشنفرى ابنة سيده طالبًا منها أن تعينه في غسل رأسه، استحقرته ولطمته لأنه ناداها بأخته. وإذ ذاك، أدرك الشنفرى حقيقة أنَّه عبد مذموم، فهجر القبيلة وأقسم أن يقتل مائة منهم انتقامًا منهم. وقد بلغت به رغبة الانتقام حدًّا جعلته يتفنن في صنع النبل ويجعل أفواقها من القرون والعظام. حتَّى إذا غزا وقتل ما قتل، عرفوا أنَّه القاتل تحديًا منه. وفي رواية خروجه هذه، رُويت أبيات له حاول فيها إقناع نفسه بسمو المنبت رغم هوان المنزلة الاجتماعية (مروَّة، 1990، حفني، 2008؛ خضر، 2016؛ خليف، 1978).
يقول:
ألا ليت شعري والتلهف ضلة بما ... ضربت كف الفتاة هجينها
ولو علمت قعسوس أنساب والدي ... ووالدها ظلت تقاصر دونها
أنا ابن خيار الحجر بيتًا ومنصبًا ... وأمي ابنة الأحرار لو تعرفينها
ويرى آخرون أنَّه إنما أقسم على قتل مائة من بني السلامان لأنهم قتلوا والده، ولم تجد أم الشنفرى من يطالب بدمه في بني الحجر، فانتقلت إلى بني فهم. وكثير من الروايات لا تتفق مع قصائده، وربما نحله البعض أبياتًا لتوافق رواية أخرى حتى غدا الشنفرى أسطورة من الأساطير الشعبية التي تتداخل فيها الحكاية بالحقيقة. غير أنَّ الروايات تتفق على شيئين اثنين؛ الأوَّل أنَّ الشنفرى أقسم على قتل مائة رجل من بني السلامان، وقد قتل تسعة وتسعين، ثم قُتل في كمين، فمات دون الأخير. لكنَّ رجلًا منهم ركل شظية من عظام الشنفرى، فدخلت رجله، ومات متأثرًّا بجرحه؛ وبهذا حقق الشنفرى قسمه (فروخ، 1981؛ حفني، 2008؛ خليف، 1978).
والشيء الثاني وصيته التي طلب فيها ألَّا يُدفن وأن يترك في العراء لتأكله أم عامر، وهي كنية الضباع عند العرب. وقد صاغها في أشهر ما أُثِر عنه قبل قتله:
فلا تقبروني إنَّ قبري محرَّمٌ ... عليكم ولكن أبشري أمَّ عامر
إذا احتلمت رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى سائري
هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سجيس الليالي مبسلا بالجرائر
وأكثر شعر الشنفرى في الحماسة والفخر، وله شيء من الغزل. غير أنَّ كثيرًا من الرواة يتفقون على أنَّ بعض شعره منحول. وأشهر قصائده لامية العرب التي تصوُّر حياة الصعلوك تصويرًا دقيقًا، بأسلوب فصيح حسن. وقد ابتدأها بإعلان هجره للقبيلة وانضمامه إلى الوحوش. يقول:
أقيموا بين أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قومٍ سواكم لأميلُ
فقد حمَّت الحاجات والليل مقمرٌ ... وشدت لطياتٍ مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى ... وفيها لمن خاف القلى متعزل
ولي دونكم أهلون: سيد عملَّسٌ ... وأرقط زهلولٌ وعرفاء جيأل
هم الأهل لا مستودع السر ذائعٌ ... لديهم، ولا الجاني بما جر يخذل
وكل أبيٌّ باسلٌ غير أنني ... إذا عرضت أولى الطرائد أبسل
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وقد كان الشنفرى كشأن بقية الصعاليك نحيلًا ضئيل الجسم، وكان هذا ميزة مكَّنته من العدو السريع الذي أصبح مضربًا للمثل. وقد تكلم هو وغيره من الصعاليك عن عدوهم السريع حتى ليسبقون الخيل أو القطاة إلى الماء، كما ذكر في لاميته. ومما قاله في وصف نحولته:
وآلف وجه الأرض عند افتراشها ... بأهدأ تنبيه سنائنُ قُحَّلُ
وتنبيه: ترفعه، والسنائن: رؤوس فقار الظهر، وقحَّل: جافة. وهذا النحول نتاج حياة الصعلكة القائمة على الجهد والجوع. وقد كان يقظًا صبورًا. وترد في مصادر الأدب روايات عن حذقه ودهائه وحسن تخلصه من المآزق. ولعل رواية القبائل لشعره ومواقفه مردها إلى إعجابهم بشخصيته حتَّى أضحى شخصية تروى للسمر. وفي هذه السهرات، أضافوا ونحلوه حوادث لم تحدث، وبالغوا في تصوير عدوه وشجاعته. ورغم هذه المبالغات، لا يمكننا نكران أنَّ الشنفرى لم يكن شخصًا عاديًا، وأنَّ أسطرته لم تكن ابتداعًا؛ إذ ساهمت ظروف حياته وبيئته على خلق مزياه الخاصة (مروَّة، 1990؛ حفني، 2008).
هو ثابت بن جابر بن سفيان، من قبيلة فَهم. وهو من أغربة العرب؛ فأمه أمةٌ حبشية سوداء، وقد ورث عنها سوداها. ويروي البعض أنَّ أمه امرأة حرة من فَهم. ويُروى أنَّه خال الشنفرى. ويختلف الرواة في تعليل لقبه. فمنهم من يروي أنَّ احتمل كبشًا في الصحراء، ثم تبيَّن أنَّه سعلاة. ولمَّا سئل عما كان يحتمل، قال: لقد تأبَّطت شرًّا؛ فسمي به. وهذه الرواية من خرافات العرب، ولذلك يورد صاحب الأغاني تعليلًا آخر. يقال أنه أتى أمه متأبطًا جرابًا مليئًا بالأفاعي. ولمَّا ألقاه بين يديها، فتحته، فسعت الأفاعي في بيتها، فخرجت صارخة. وحين سألنها نساء الحي عمَّا تأبَّطه ثابت، أجابت: شرًّا؛ فلازمه اسمًا. وقيل إنَّ قبيلته لقبته بهذا لكثرة جناياته (مروَّة، 1990؛ حفني، 1987).
ويروى أنَّ أباه مات صغيرًا، وأنَّ أمه تزوجت أبا كبير الهذلي، وكان صعلوكًا، فتتلمذ تأبط شرًا على يديه حتى أصبح من كبار الصعاليك. وقد كان ذكيًا سريع العدو، وتروى في تخلصه وفراره من الموت الكثير من الحكايات. لكنَّ حظه مع النساء كان سيئًا؛ إذ يروى أنَّه خطب امرأة من بني عبس، فوعدته ورضيت به، لكنها ما لبثت بعد فترة أن رفضته. ولمَّا سألها عن السبب، أخبرته أن قومها قالوا لها إنَّه رجل معرَّض للموت كل يوم. وروي أيضًا أنَّه خطب امرأة من هذيل، فقالوا لها الأمر عينه. وفي هذا قال واصفًا قلَّة طعامه ونومه، وبسالته في مجابهة الأبطال:
وقالوا لها لا تنكحيه فإنه ... لأول نصل إن يلاقى مُجمعا
فلم تر من رأي فتيلًا وحاذرت ... تأيُّمها من لابس الليل أروعا
قليل غرار النوم أكبر همه ... دم الثأر أو يلقي كميًّا مُقنعا
قليل ادخار الزاد إلَّا تعلَّة ... فقد نشز الشر سوف والتصق المِعى
رأين فتًى لا صيد وحش يهمه ... فلو صافحت إنسًا لصافحنه معا
وإني ولا عِلم لأعلم أنني ... سألقى سِنان الموت يرشق أضلعا
على غرة أو جهرة من مُكابر ... أطال نزال الموت حتى تشعشعا
ولست أبيتُ الدهر إلَّا على فتًى ... أسلّبه أو أذعر السِّرب أجمعا
ومن يضرب الأبطال لا بُدَّ أنَّه ... سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا
وشأنه شأن الشنفرى في الأساطير والحكايات الشعبية المختلقة. وقد عرف فيها بالحيلة والمهارة في التخلص من المآزق، وسرعة العدو، والحرص والصبر. ويروى له في الحيلة مواقف عديدة، منها أنَّه خبأ سيفه قرب بيت منفرد، وتنكر بهيئة رجل فقير كي يستطلع عدد الأشخاص في البيت. فكان فيه رجل وزوجته، وعبد وأمة. وبعد أن ضيَّفوه، تناوم، ثم قام إلى سيفه وقتل الرجلين وسبا المرأتين.
وتروى في وفاته روايات مختلفة، فثمَّة من يقول إنَّه قُتل في معركة مع بني رجيلة في جبل نِمار من أرضهم. ويقول آخرون إنَّه أخرج حيَّة من جُحرها، فلدغته، فمات. وكانت هُذيل تدعي قتله. والراجح أنَّه قتل في 530 م، بعد رفيقه الشنفرى، ويروى أنَّه كان أصغر منه سنًّا (فروخ، 1981).
هو عروة بن الورد من بني عبس، وأمه من بني نهد، وليست من ذوي الأنساب المشهورة. وكان عروة يخجل من أخواله، ويعتز بأبيه الذي كان من الفرسان الذين قاتلوا في حرب داحس والغبراء. وكان عروة فارسًا شجاعًا، كريم الأخلاق عفيفًا، صادقًا وفيًا؛ لكنَّه كان فقيرًا، وكان يرى في نظام القبيلة ظلمًا، فخرج عليها وانضم إلى الصعاليك، وصار مقدَّما عليهم لفروسيته وشجاعته وكرمه. وكان يقوم عليهم إذا أخفقوا في غزوة، ويعولهم حتى يطيب مرضاهم، فيأخذهم ليغزوا بهم، فسمي عروة الصعاليك. وقد قدَّمه البعض على حاتم الطائي في الكرم؛ ومنهم عبد الملك بن مروان الذي قال فيه: «من زعم أن حاتمًا أسمح الناس، فقد ظلم عروة بن الورد» (مروَّة، 1990؛ حفني، 1987).
وهو الوحيد من الشعراء الصعاليك الذي وصلنا ديوان مطبوع له، وقد جمعه ابن السكيت. ويعد من أكثر الشعراء تناولًا لمبادئ الصعلكة، وأكثرها الجوع والكرم. وقد كان لشعره تأثير في الحياة الاجتماعية. من هذا ما روي أنَّ الحطيئة قال لعمر بن الخطاب أنَّهم كانوا في حرب ألف رجل، وأنَّهم كانوا يأتمون بشعر عروة بن الورد. ويروى أنَّ عبد الله بن جعفر أوصى معلم أولاده ألَّا يعلمهم قولًا معينًا لعروة حتَّى لا يحثهم على السفر (مروة، 1990؛ حفني، 1987).
وهذا القول هو:
ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير
ويبرر عروة بن الورد ذهابه إلى الصعلكة في قوله:
ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
والواقع أنَّ ممارسة الصعلكة لم تكن محصورة في نماذج معدودة من الشعراء، بل كانت وضعًا اجتماعيًا سائدًا. وخير دليل على هذا أنَّ قبيلة هذيل، التي كانت تعيش في منطقة تتوفر فيها المياه، كانت قبيلة صعاليك بكاملها، فقد عاشت على الإغارة والسلب، وأنتجت عددًا كبيرًا من الشعراء الصعاليك. وهذا يؤكد أنَّ الصعلكة لم تكن سلوكًا فرديًا أو محصورًا في فئةً بعينها، بل كانت ظاهرًا اجتماعيةً معروفة تنخرط فيها قبيلة بأكملها بدافع الفقر ورفض الجوع.
وبعد هذا العرض لظاهرة الصعلكة في العصر الجاهلي، مفهومًا وأسبابًا وفئات وأشعارًا، يتبين لنا أنها لم تكن مجرد نتاج لفقر مادي أو عقدة لون، بل كانت استجابة إنسانية عميقة لخلل بنيوي في منظومة القبيلة نفسها. فقد كشفت هذه الظاهرة عن الوجه الآخر لمجتمع القبيلة الجاهلية: مجتمع تغنى بالكرم والشجاعة، وأنتج في الوقت ذاته عبودية، وتمييزًا طبقيًا، وقانون الخلع. وهكذا لم يكن الصعاليك مجرد خارجين على القانون، بل كانوا مرآة تكشف تناقضات النظام القبلي، وشهودًا على أنَّ الإنسان قادر على رفض واقعه وصنع بديله، حتى إن كان هذا البديل هو التشرد والمخاطرة بالموت.
وإذا كانوا قد جنحوا إلى السلب والنهب، فإنَّهم قد قدَّموا تجربة اجتماعية فريدة، جعلت من الشعر سلاحًا في وجه الظلم، ومرآة وجودية تتجاوز زمنها. فقد أعلنوا القطيعة مع القصيدة الجاهلية التقليدية ببنائها ومقدماتها، وخلقوا بديلًا شعريًا قائمًا على وحدة الموضوع، والصدق العاطفي، والتجربة الواقعية. وقد ظل أثرهم ممتدًا في الشعر العربي بعدهم؛ إذ مهَّدوا لفكرة الفرد المتمرد الذي يواجه العالم وحده بسلاحه وكلمته.
وبهذا يمكن القول إن شعر الصعاليك لم يكن هامشًا في الأدب الجاهلي، بل تيارًا فكريًا وفنيًا أصيلًا، أنتجته الظروف الاجتماعية، وتجاوز المكان والزمان إلى أفق إنساني رحب. وما زال هذا التيار حاضرًا في كل زمن يرفع فيه الإنسان صوته ضد القهر، ويؤثِر الفقرَ الحر على الذل، ويصنع من جراحه شعرًا ومعنى.
المصادر والمراجع