رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

هاجر منصور سراج

7 مايو، 2026


رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد من أبرز النماذج النثرية في الأدب الأندلسي الذي يُعَدُّ واحدًا من أزهى عصور الثقافة العربية الإسلامية. وهذا الأدب نتاج بيئة ساحرةٍ جمعتْ عبق الشرق وروعة الغرب، ومزجتْ داخلها أعراقًا وثقافات متعددة على أساس التسامح الذي أضفى ميزةً فريدةً على أدب الأندلس حتَّى أضحى ينافس أدب بغداد ودمشق، وبه صار لدينا ثنائية أدب المشرق والمغرب.

ويمكننا التقاط النفس الأندلسي في الشعر والنثر في سهولة شديدة؛ إذ يتميَّز بخفة الألفاظ والموسيقا ودقة التصوير، إلى جانب مراعاته للتراث الشعري والنثري العربي. وقد تطوَّر النثر تطوُّرًا ملحوظًا على مراحل متعددة بدءًا من عصر الولاة الذي سيطرت فيه الخطابة والكتابة الرسمية، مرورًا بعصر الإمارة والخلافة الذي ازدهر فيه فن المقامات تجاوبًا مع ازدهاره في المشرق وانتقاله إليهم، ووصولًا إلى عصر ملوك الطوائف الذي تعددت وتنوعت فيه الأغراض النثرية واستقلَّت فيه الشخصية الأندلسية (عباس، 1969؛ هيكل، 1988؛ الجبوري، 2015).

استطاع الأندلسيون إثبات إبداع الذات الأندلسية في شعرهم ونثرهم. وقد استهووا المعارضات الشعرية ليس لعجزهم عن الإتيان بالجديد، بل لرغبتهم في إثبات أفضليتهم. وقد أتى ابن شهيد على ذكر هذا في رسالة «التوابع والزوابع» مستندًا إلى أنَّ المعاني مبثوثة في الطريق، إنَّما الحيلة تكمن في براعة التناول ودقة التصوير. ورغم وضوح رغبة الأندلسيين في إثبات هويتهم المستقلة وقدرتهم الإبداعية، يرى البعض أنَّ الأندلسيين إنما انطلقوا في معارضاتهم وتقليدهم من رغبتهم في البقاء امتدادًا للإنتاج الأدبي المشرقي باعتباره ممثلًا للهوية العربية (الياسري وخضير، 2020؛ الجبوري، 2015).

وفي هذا السياق، برزت رسالة «التوابع والزوابع» لابن شهيد وثيقةً تاريخيةً للأدب في زمنه، ونموذجًا نثريًا أندلسيًا جمع بين الخيال الخصب والرؤية النقدية العميقة، وشاهدًا على قدرة الأندلسيين على التحرر من قيد التقليد الذي دفعهم إليه شوقهم إلى جذورهم؛ وإبداعًا عربيًا سبَّاقًا في مجال التخييل والعجائبية (بهجت، 1988؛ الياسري وخضير، 2020؛ عمر، 2022).

صاحب رسالة التوابع والزوابع: ابن شهيد

هو أبو عامر، أحمد بن أبي مروان عبد الملك من شُهَيد، ثم من أشجع، وهم بطن من غطفان. وهو سليل أسرة عُرِفَتْ بالوزارة والرياسة. ولد في قرطبة، سنة 382 هـ، أيام المنصور بن أبي عامر. ونشأ متنعمًا بالثراء والسلطان والدلال. وقد حماه الدلال من صرامة الدروس وجد التعلم؛ فكان يقبل على الدروس الدينية واللغوية متى ناسبت مزاجه. وكان يقضي معظم وقته منصرفًا إلى الأدب؛ فتزوَّد من الشعر والنثر قديمه وحديثه، وحفظ الكثير من النصوص في كلا النوعين الأدبيين. وبهذا جمع معانٍ وأفكارًا وصورًا حرَّكت ملكته الأدبية، فنظم الشعر ونثر النثر في سنٍّ مبكرة، واشتهر بموهبته المزدوجة (بطرس، 1996؛ هيكل، 1985؛ إبراهيم وفريحات، 2014).

وقد كان عاطلًا ميَّالًا إلى اللهو، مسرفًا في الكرم، عزيز النفس، شديد الفخر بنفسه، ميَّالًا إلى الفكاهة والهزل. وشخصيته هذه نتاج حياته الهانئة التي لم تلجئه إلى عمل يكسب به عيشه؛ فقلَّت بهذا فرص توليه منصب الكاتب. ولم يكن بحاجة لهذا المنصب إلَّا ليفاخر به. وكان قد أخذ الوزارة مُدَّةَ سبعةٍ وأربعين يومًا، فتاقتْ نفسه إلى أن يحظى بلقب «الوزير الكاتب» لما له من توقير وتعظيم في الدولة وبين العامة. وقد شعر باستحقاقه لهذا المنصب العظيم لتمكنه في الشعر والنثر، رغم انتقاص النقاد وحسد الحاسدين. وإذ كان معتادًا على الدلال والتوقير الذي نشأ فيه زمن المنصور بن أبي عامر، أغضبه إعراض الحاسدين عن أدبه والانتقاص من شأنه في مجلس المستعين. ولم يجد ملجأ لبث غضبه والتفاخر بأدبه إلَّا الأدب نفسه، فأنشأ يكتب رسالة «التوابع والزوابع» التي ذاع صيتها لفكرتها الفريدة (بطرس، 1996؛ لبادة ورحمة، 2021).

موضوع رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

رسالة التوابع والزوابع هي سرد عجائبي يروي فيه ابن شهيد رحلته مع تابعه الجني «زهير بن نمير» إلى عالم الجن. وهناك يلتقي شياطين الشعراء القدامى ويناقشهم، وينشدهم، وينشدوه. ويقابل شياطين الأدباء الخطباء، ويعرض عليهم كثيرًا من نثره. وكلُّ هؤلاء يجيزونه ويشيدون ببراعته. وفي معرض هذا، ينتقص من نقاد عصره وشعرائه الذين لم يعترفوا بأدبه ولم يقدروه حقَّ قدره. فسخر من أدباء الأندلس، ونسب إليهم الغباء، وجرَّدهم من صحة اللغة وحسن البيان (بطرس، 1996؛ هيكل، 1985؛ بهجت، 1988).

وقد اختار ابن شهيد عنوان «التوابع والزوابع» لاتخاذه أرض الجن مسرحًا لحكايته، واتخاذه الجن أبطالًا. والتوابع في اللغة جمع تابع أو تابعة؛ وهو الجني أو الجنية الذي يتبع الإنسان حيثما ذهب وأينما حل. والزوابع جمع زوبعة، وهو في اللغة اسم شيطان، أو رئيس للجن (بطرس، 1996؛ هيكل، 1985؛ ضيف، 1989).

واسمها أيضًا «شجرة الفكاهة». ولم تصل إلينا كاملةً، بل أربعة فصول أوردها ابن بسَّام في «الذخيرة». وقد كتبها ابن شهيدًا ردًّا على صديقه أبا بكر ابن حزم لمَّا تساءل من أين لصديقه بلاغته «كيف أوتي الحكم صبيًا وهز بجذع الكلام فاسَّاقط عليه رُطبًا جنيًّا». فأجابه ابن شهيد برسالته هذه (عباس، 1969؛ بهجت، 1988).

تاريخ كتابة رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

لم يرد في تراجم أخبار ابن شهيد ذكر للسنة التي وضع فيها رسالة التوابع والزوابع؛ فتباينت آراء النقاد والمستشرقين حول التاريخ. فرأى بروكلمان أنَّ التاريخ الأرجح هو سنة 404 هـ كي يؤكد حقيقة أنَّه كتبها قبل رسالة الغفران، وأنَّ رسالة الغفران لم تظهر إلَّا قبل عامين من وفاة ابن شهيد. وليس من المرجح أنْ يقاوم ابن شهيد المرض والفالج ليكتب رسالته مقلِّدًا أبا العلاء المعري. ويرى زكي مبارك وأحمد أمين أنَّها ظهرت للنور قبل عام 407 هـ. ويرى آخرون، منهم بطرس البستاني، وأحمد هيكل، وحازم عبد الله أنَّها ظهرت للنور في عام 414 هـ أو بعد ذلك بعام. ويستشهد البستاني بالأحداث التاريخية المرتبطة بحادثة بلاط المستعين التي استاء منها ابن شهيد، وأشعار ابن شهيد. أمَّا يعقوب زكي، فيرى أنَّها كتبت بين 416 و420 هـ. والرأي الراجح رأي البستاني لاستشهاده بشعر ابن شهيد نفسه لتتبع الأحداث والوقائع، وربط ذلك بالرسالة (بطرس، 1996؛ بهجت، 1988).

ودَافِعُ النقاد إلى هذا التمحيص في قضية التاريخ مرده إلى قضية تقليد الأندلسيين للمشارقة، وإلى أنَّ شهرة أبي العلاء المعري طبقت المشرق والمغرب؛ فكأنَّهم عجبوا أن يأتي ابن شهيد بفكرةٍ جديدةٍ، فزعموا أنَّه إنما قلَّد أبا العلاء المعري في رسالة الغفران. والحق أنَّ فكرة ابن شهيد ليستْ جديدةً كُلِّيًا، فخرافة الجن ووادي عبقر جزء من الثقافة الأسطورية العربية، ولا بُدَّ أنَّه استوحى فكرة الرحلة إلى عالم الجن من المقامة الإبليسية لبديع الزمان الهمذاني (بهجت، 1988؛ البيومي، 1980).

تقسيم رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

تبدأ الرسالة بذكر رسالة أبي بكر ابن حزم التي يتساءل فيها كيف بدأ الأدب عند ابن شهيد، وكيف بزغ لديه الفهم. فيرد عليه ابن شهيد، ويروي له حدثًا. ذات مرةٍ، كان ابن شهيد ينظم شعرًا لرثاء حبيبٍ فارقه، فارتجَّ عليه القول، فبرز له جني اسمه «زهير بن نمير»، وأخذ بتتمة الشعر حتَّى اصطفاه ابن شهيد تابعًا له وتوطدت بينهما الصحبة، فأخبره الجني بأقوال ليرددها كلما ارتج عليها القول، ليحضر إليه ويعينه فيه (بطرس، 1996).

القسم الأوَّل: توابع الشعراء

وقد سأل ابن شهيد تابعه أن يأخذه إلى بلاد الجن، فأخذ «زهير بن نمير» أذنًا من زوبعة، ثم عاد فأخذه، وطار به على متن جواده إلى أرض التوابع والزوابع. وهناك، زار ابن شهيد تابع امرئ القيس، وتابع طرفة بن العبد. ثم انتقل إلى الشعراء العباسيين، فلقي تابع أبا تمام، والبحتري، وختم زيارته بالمتنبي. وفي زياراته هذه، يعارض قصائد هؤلاء الشعراء ويحملهم بقوله وفصاحته على إجازته والاعتراف به.

القسم الثاني: توابع الكتَّاب

ثم ينتقل إلى توابع الكتاب هو وتابعه، فيجدهم مجتمعين للمذاكرة في أحد المروج، وبينهم تابع الجاحظ وتابع عبد الحميد الكاتب. وهناك ينتقدان أسلوبه القائم على السجع، فيدافع عن نفسه، ويطعن أسلوب عبد الحميد البدوي؛ ثم ينتهي الخلاف والحدة بابتسامة وتباسط. وإذ ذاك، يقرأ عليهما رسالة الحلواء، فيريان فيها الجودة. ثم يشكو إليهما سوء عمل حساده عند المستعين، ومنهم أبو القاسم الإفليلي؛ فيظهر تابع هذا الأخير وينتقده، فيرد عليه ابن شهيد. ثم يتدخل بينهما تابع بديع الزمان الهمذاني، فيعارضه ابن شهيد في وصف الماء حتَّى يخجله. وتنتهي رحلته هنا بحصوله على الإجازة من الجاحظ وعبد الحميد.

القسم الثالث: توابع النقاد

ثم ينتقل مع تابعه إلى مجلسٍ آخر من مجالس الجن، فيجدان الكلام دائرًا حول بيتٍ للنابغة لم يستطع الشعراء أن يأتوا بأفضل منه. وهذا مجلس النقاد الذي يغتنم فيه ابن شهيد الموقف، ويورد أفضل أشعاره ليطاول بها أشعار المتنبي. وهنا يورد بعضًا من أفكاره النقدية.

القسم الرابع: حيوانات الجن

ثم يتنقَّل مع تابعه في أرض الجن حتَّى يريا ناديًا لحمير الجن وبغالها، وهناك خلاف بين قصيدتين لحمار وبغل. وتستنجد عاشقتيهما بابن شهيد ليكون حكمًا بين البغل والحمار، فيشيد بشعر البغل. ثم يرى إوزةً يخبره تابعه أنَّها تابعة بعض شيوخ اللغة، وتعرض عليه مناظرته في النحو والغريب؛ لكنَّه يرفض ويسخفها. وهنا تنتهي ما نقله ابن بسام من رسالة التوابع والزوابع.

دوافع كتابة رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

كانت رسالة التوابع والزوابع نتاج رغبة ابن شهيد في إثبات جدارته للحسَّاد والخصوم الذين انتقصوا من قدره الأدبي. وقد كتب هذه الرسالة ليثبت تفوقه لغويًا، وبراعته نثريًا، وعبقريته فكريًا. وقد اتخذ فيها أسلوبًا غير مباشر؛ فلم يصرِّح ببراعته، بل جعل ذلك يأتي شهادةً على لسان أشهر فحول الشعراء والأدباء في تاريخ الأدب العربي؛ مما جعل إجازتهم قولًا لا جدال فيه (بهجت، 1988).

سادت في عصره اتهامات نقاد المشرق للأندلسيين بالضعف والتبعية لأدب المشرق، فسعى ابن شهيد في رسالته إلى إثبات تفوق الأندلس وقدرته على إنتاج أدب أصيل منقطع عمَّا سبق ومتفوق على إنتاجات المشارقة كلهم. وقد عبَّرت الرسالة صراحةً عن روح التنافس الحضاري بين الأندلس والمشرق (بطرس، 1996).

ويتبدَّى لنا دافع ثالث إلى الدافعين السابقين، يكمن في رغبة ابن شهيد في كسر رتابة ورصانة الأدب الجاد الذي لم يعترف به ويعطيه قدره؛ فقدَّم رسالته في قالب يخلط الجد بالهزل ويضمن رؤيةً نقديةً عاليةً، وفائدةً لغويةً، ومتعةً وقبولًا عند المتلقين. ودليل هذا تسميتها برسالة الفكاهة (ضيف، 1989؛ عباس، 1969؛ العزام، 2003).

ولعل الدافع الرابع يكمن في أنَّ ابن شهيد، بعد أن تجاذبته بنات الدهر وفقد حظوته وسلطته في زمن الطوائف، وجد في كتابة هذا النوع النثري متنفَّسًا خياليًا يعوضه عن واقعه، ويمكنه من السخرية من واقعه المر الذي لم ينصفه محتجبًا عنه بحجاب الأدب (العزام، 2003).

القضايا النقدية في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

لم تكن رسالة التوابع والزوابع مجرَّد قصة خيالية للتسلية، بل عملًا نقديًّا متكاملًا، تناول قضايا أدبيةً ونقديةً جوهريةً في التراث النقدي العربي حتى ليوشك أن يكون النقد الأدبي موضوعها الرئيسي (متى، 1999). ومن أبرز هذه القضايا:

  1. الإبداع والإلهام

يرى ابن شهيد أنَّ الأديب يكون شاعرًا أو خطيبًا بالفطرة والموهبة لا بالاكتساب مخالفًا بذلك النظرية السائدة في الثقافة العربية، والتي ترى أنَّ الأديب لا يكون أديبًا إلَّا بعد أن يحظى بقدرٍ وافرٍ من تعلُّم البلاغة والمعارف اللغوية، وأنَّ الطبع وحده لا يجعله مبدعًا. ويستشهد ابن شهيد بنفسه، فيصرِّح أنَّه لم يقرأ إلَّا أقل قدر من الكتب وأنَّ إنتاجه كُلَّه نتاج موهبته الخالصة. ثم يرد هذه الموهبة إلى الأسطورة العربية القديمة القائلة بوجود جني لكل شاعر، فيرجع عمله إلى عامل الوحي والإلهام، ويكشف أنَّ له تابعين اثنين لا تابعًا واحدًا فحسب. وإيغالًا في رؤيته هذا، يروي حكايته التي مضى فيها إلى أرض الوحي واطَّلع فيها على جن الشعراء القدامى وتابعي بعض معاصريه. ومن هذا، نخلص إلى أنَّ ابن شهيد يؤمن بالإلهام لا بالإبداع الناتج عن التعلم والاجتهاد (متى، 1999؛ إبراهيم وفريحات، 2014؛ هيكل، 1985).

  1. النظم والنثر

في الرسالة، يفضِّل ابن شهيد النثر على الشعر، في قوله ردًّا على سؤال زهير بن نمير لمَّا سأله بمن يريد أن يبدأ في أرض الجن: «الخطباء أولى بالتقديم، لكني إلى الشعراء أشوق». ولعل تقديم ابن شهيد للخطباء منبعه تمكنه في النثر وإبداعه فيه أكثر من الشعر؛ لكنه في الآن نفسه يتشوَّق إلى الشعر ويندفع إلى الشعراء لينتزع منهم اعترافًا بتفوقه. وقد أشار في رسالته إلى مجموعة من الأسس الفنية التي يراها ضروريةً في الشعر والنثر؛ لكنه لا يفصِّل القول فيها. ولعل هذا مرده إلى أنَّ جولته بين الشعراء والخطباء والنقاد لم يكن هدفها التنظير النقدي بل المفاخرة والمباهاة ببراعته في كلا الجنسين الأدبيين (إبراهيم وفريحات، 2014؛ هيكل، 1985).

  1. القديم والمحدث

في الرسالة، التقى ابن شهيد الشعراء القدامى والمحدثين على حدٍّ سواء، ولم يتعصَّب لأي الفريقين؛ بل تكلَّم عن تطوُّر الأساليب واختلافها باختلاف الأمكنة. «وكما أنَّ لكل مقام مقال، فكذلك لكل عصر بيان، ولكل دهر كلام، ولكل طائفة من الأمم المتعاقبة نوع من الخطابة، وضرب من البلاغة، لا يوافقها غيره، ولا تهش لسواه». وبهذا     انضم إلى جماعة التوفيقيين الذين كانوا يحتكمون إلى معيار الجودة لا إلى معيار الزمن. وهذه النظرة لم تكن خاصَّةً به فحسب، بل كانت تخص الأندلس كُلَّه انطلاقًا من سمة التعايش الذي تميَّز بها (إبراهيم وفريحات، 2014).

  1. المعارضات

في الرسالة، اهتم ابن شهيد اهتمامًا كبيرًا بالمعارضات لميله إلى معارضة أدباء المشرق وحرصه على التفوق عليهم. فكان يبني قصائده على بحور قصائدهم وقوافيها، ويأخذ معانيها وألفاظها؛ ثم يأتي بقصيدة يثبت فيها إبداع الشخصية الأندلسية. وكان همه الأوحد هو التفوق لا إثبات الندية. وبهذا لم يكن يعارض إلَّا جهابذة الأدب العربي لينتزع إجازة رفيعة المستوى من الجن. وقد عارض امرئ القيس، وطرفة، وابن ربيعة، والبحتري، والمتنبي (إبراهيم وفريحات، 2014).

ولم يقصر معارضته على الشعر فحسب، بل ساق معارضاته في النثر أيضًا؛ فعارض عبد الحميد الكاتب، والجاحظ، وبديع الزمان. وقد صرَّح بغلبته لبديع الزمان في مشهدٍ عجائبي فكاهي. فهو لمَّا غلب بديع الزمان في إجادته وصف عين جارية، توارى بديع الزمان حتَّى لم يعد يُرَى خجلًا وخزيًا وإكبارًا لابن شهيد. وبهذا تكون المعارضات عند ابن شهيد وسيلةً لمباراة الشعراء والأدباء العظماء، ووسيلةً لإثبات إبداع الذات الأندلسية (إبراهيم وفريحات، 2014؛ الياسري وخضير، 2020).

  1. السرقات الشعرية

في الرسالة، أورد ابن شهيد رأيه على لسان شيخ من الجن يعلِّم ابنه، يقول: «إذا اعتمدت معنى قد سبقك إليه غيرك وأحسن تركيبه، وأرق حاشيته، فاضرب عنه جملة. وإن لم يكن بد ففي غير العروض التي تقدم إليها ذلك المحسن، لتنشط طبيعتك وتقوي متنك». بهذا نستنتج أنَّ ابن شهيد يؤمن أنَّ الشعر إبداع واختراع. وبهذا يوافق الجاحظ، والجرجاني، وابن طباطبا، وغيرهم ممن يرون أنَّ الشعر طريقة في الإبداع. وبيِّنٌ رأي النقَّاد في السرقات؛ فمن زاد على المعنى السابق، فقد أجاد. ومن لم يزد، فقد قصَّر. وهو يرى الأمر ذاته، فالتفوق على المعاني المسبوقة بالزيادة وحسن التركيب معيار الإجادة. يقول في الرسالة «وإنما يتبيَّن تقصير المقصِّر، وفضل السابق المبرر، إذا اصطكَّت الرُّكب وازدحمت الحلق، واستُعجِل المقال ولم توجَد فُسحة لفكرة، ولا أمكنت نظرة لرويّة». وآراؤه النقدية في هذا الجانب لم تتجاوز ما قاله النقَّاد سلفًا. وإنما كان حديثه عن الأمر لإثبات إجادته وتفوقه في هذا الجانب (إبراهيم وفريحات، 2014؛ تاوريريت، 2021؛ هيكل، 1985).

  1. السجع

في الرسالة، عبَّر ابن شهيد عن رأيه في السجع الذي كان ظاهرةً أسلوبيةً في زمنه. وقد جاءت آراؤه على ألسنة توابع الكتاب. من ذلك ما قاله صاحب الجاحظ وصاحب عبد الحميد لمَّا قرأ عليهما رسالة الحلواء: «إنَّ لسجعك موضعًا من القلب ومكانًا في النفس، وقد أعرته من طبعك، وحلاوة لفظك وملاحة سوقك ما أزل أفنه ورفع غينه». وبهذا نرى أنَّ ابن شهيد يحبذ السجع الجاري طبعًا لا تكلفًا، وهو الذي كان حاضرًا عند أهل عصره حتَّى كان السجع عندهم هدفًا لذاته. وقد أورد نقدًا لذاته على لسان تابع الجاحظ: «إنك لخطيب، وحائك للكلام مجيد، لولا أنَّك مغرى بالسجع فكلامك نظم لا نثر». وهنا يتذرع ابن شهيد بالذوق العام السائد، والذي يفرض عليه أن يجاري الأدباء في سجعهم حتَّى يقروا له بالتقدم. ثم يغتنم الفرصة، فيأخذ في ذم أدباء عصره (إبراهيم وفريحات، 2014).

الأسلوب السردي لرسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

تمثل رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد نموذجًا للنثر في فترة الفتنة في الأندلس. وهو أسلوب مزج أسلوب الجاحظ بأسلوب ابن العميد، بأسلوب بديع الزمان. ثم رصَّع هذا المزيج الأسلوبي بالمحسنات البديعية، لا سيما السجع. وأسهب في الوصف، باعتبارها ميزة خاصة بأدب الأندلس شعرًا ونثرًا. وقد تمثَّل أركان القصة التي حضرت في مقامات الهمذاني، لذا يمكننا معالجة هذه الأركان هنا. وما يميِّز الرسالة عن غيرها هو عنصر العجائبية الذي اعتمده ابن شهيد في الفكرة (هيكل، 1985).

  1. الرحلة

رسالة ابن شهيد هي رحلة إلى أرض الجن؛ وبهذا تكون سردًا رحليًا. والسرد الرحلي هو السرد المتربط برحلة فعلية أو خيالية؛ ويكون فعل السفر فيها لازم الوجود. وهو سرد مشهدي يصور الشخصيات والجماعات، وحواراتها صراحةً أو إضمارًا. وتبرز في هذا النوع السردي سمة سرد المغامرات، والحوار والوصف الطريف. وتنطبق كافة سمات السرد الرحلي على رسالة ابن شهيد؛ فهو انتقل (سافر) إلى أرض الجن، وقابل أهله، وخاض في حوارات معهم. ورغم أنَّه ظلَّ يطوف متنقِّلًا بينهم؛ لا يظهر إلَّا على فرسه مقابلًا تابعي الأدباء، غير مترجل لراحة، أو جوع، أو عطش. وابن شهيد غير مكترث بعادات الجن أو ثقافتهم؛ بل مصوب جل تركيزه على حصد الإجازات منهم. وبهذا تكون صورة أرض الجن في الرسالة ناقصةً. ولم يُعْمِل ابن شهيد مخيلته الإبداعية لتصوير ذلك؛ فلم يكن ذلك هدفه منذ البداية (الجنابي، 2024؛ عباس، 1969).

  1. البنية العجائبية

تقوم رسالة ابن شهيد على فكرة العالم العجائبي. والحدث العجائبي الضابط للرسالة هو انتقال ابن شهيد إلى عالم الجن، وهو الجامع لكل العناصر الفنية الحاضرة في الرسالة (الزمن، المكان، الشخصيات). وقد انطلق الحدث من الواقع؛ إذ كان ابن شهيد جالسًا في العالم الواقعي قبل أن يتبدى له زهير بن نمير. والأحداث قبل ظهوره رتيبة مألوفة؛ فقد كان ينظم رثاءً لشخص عزيز ثم احتجب عليه القول، فظهر له تابعه. وهذا المنعطف شكَّل النقطة التي انتزعت الاحداث من رتابتها وأخذتها إلى العجائبية (عمارة وقوفي، 2020؛ محمد، 2022)

والعجائبية تتالى في الرسالة كلها؛ فابن شهيد ينتقل إلى عالم الجن لينشد عليهم الشعر ويسمع منهم. وهذه كلها أحداث غير واقعية، وبعيدة عن التصور. فقد مضى إلى عالم مختلف وزمن منفصل فقط كي يعيش حالةً من المبارزة الشعرية ليصارع بها خصومه وحسَّاده الواقعيين. وهو بهذا قد قام بتكييف المعقَّد المتناقض مع النموذجي الرتيب؛ ما صنع مفاجأةً مدهشةً للمتلقي.

  1. المكان

في بداية الرسالة، يحدد ابن شهيد المكان الواقعي بذكره حاله أثناء نظم الرثاء قبل أن ينتقل إلى عالم الجن الذي تختلف أوصافه تبعًا للتابع الذي يقابله. والسارد في الرسالة يتنقَّل بين (الأرض، السماء، جبل، القصر، البستان، الماء). وأوصاف هذه الأماكن وحشية مليئة بالغرائبية. فالمكان ممتد يعبره السارد على صهوة فرس، وهو منفرج ممتد؛ لكنَّه مختلف عند تابع أبي نواس الذي لا يظهر من المكان حوله غير الخمرة بعد أن حوَّل دار العبادة إلى حانة. والصحراء مخيفة مرعبة، والماء منفذ للهروب. كُلُّ هذه الأوصاف الغريبة للمكان ترسخ فكرة العجائبية وتنقل المتلقي إلى عالمٍ ماورائي عبر تصويرات السارد (باسين، 2018).

  1. الزمان

يخضع الزمن في السرد الرحلي إلى تقنيات الزمن من استباق واسترجاع؛ لكنَّ الزمن السردي في رسالة ابن شهيد لا يعتمد أيًّا من ذين التقنيتين، بل يسير سلسًا وينتقل بين الأحداث والمشاهد انتقالًا بسيطًا. وليس بيِّنًا لنا الزمن الحقيقي المرتبط برحلة ابن شهيد؛ فهو لم يحدد عامًا أو حادثةً مرتبطةً بالواقع؛ بل أتت رحلته منفصلةً تمامًا عن الواقع.

  1. السارد

السارد في الرسالة هو (أبو عامر)، وهو نفسه ابن شهيد، وقد لعب دور السارد، ورتَّب أحداث الرحلة وضبط تعابيرها وحواراتها، ومسار الحكي فيها، وإعطاء كُلِ أديب من الجن مكانته. وقد اعتمد ابن شهيد على أساليب القص السائدة عند العرب؛ فأعمل الخيال وجسَّد الدلالة في السياق النصي. وجعل من لقاء كُلِّ شاعرٍ قصةً قصيرةً، وقد اختلفت قصة كل تابع عن الآخر.

  1. الشخصيات

يستحضر ابن شهيد في رسالته شخصيات من الجن. وصورة الجن وحدها كفيلة بخلق الدهشة والفزع لدى المتلقي لارتباطهم بخلفيات دينية وثقافية باعثة للخوف. ويفاقم هذا الأمر أنَّ السارد نفسه انتقل إلى عالم الجن، وطاف بين جماعات الجن؛ بل رآهم قبائل مثل قبائل الإنس؛ فتابعه أشجعي مثله. وهو بهذا مزج الدنيوي العادي بالعجائبي الغيبي. وبدلًا من أن يفزع السارد بظهور الجني، توطَّدت العلاقة بينهما وصحبه معه رفيقًا إلى أرض أخرى ليقابل شخصيات متعددة؛ فمنهم الجن الذين يشبهون البشر، ومنهم المشكَّلون بهيئة حيوانات ناطقة (عمارة وقوفي، 2020؛ عباس، 1969).

وأسماء الشخصيات وأوصافها في الرسالة لم تأت اعتباطًا، بل هي صفات حقيقية مطابقة للشخصيات الأدبية، ومستوحاة من وقائعهم، ومن رأيه فيهم. فتابع طرفة بن العبد اسمه «عنترة بن عجلان». وتسميته هذه مردها إلى أنَّه كان شجاعًا، وعجلان إلى أنَّ طرفة تعجل بموته. ومن ذلك الإوزة التي قال إنَّها تابعة لأحد شيوخ النحو. والإوزة يُضرب بها المثل في الحمق والسخافة. وهو بهذا الكائن لم يرد سوى وسم ذلك الشيخ بتلك الصفات. واسم تابع بديع الزمان «زبدة الحقب» لرؤيته أنَّه وصل إلى تطور عظيم في الكتابة حتَّى صار زبدة الزمن الأدبي (باسين، 2018؛ محمد، 2022؛ غالب والصباحي، 2021).

وأبو عامر (ابن شهيد نفسه) وتابعه زهير بن نمير شخصيتان رئيسيتان مؤثرتان في سير الأحداث، ومفعلتان للحوارات مع توابع الشعراء والخطباء. وبطل الرسالة هو أبو عامر، السارد نفسه. والأحداث كُلُّها تدور حوله، وهو بؤرة التجربة، وكُلُّ الشخصيات الثانوية دائرة في فلكه (الهادي، 2009).

  1. الحوار

الحوار في الرسالة يجمع السارد بالتوابع التي تنشد السارد وتنصت لإنشاده. وهي هنا تخرج من الحوار العادي لتشكِّل حوارًا وجوديًا حول الشعر والنقد. ويسخِّر ابن شهيد الحوار في رسالته ليقدم أفكاره النقدية وسخريته من الحسَّاد، لا سيما في آخر الرسالة، حين يخوض حوارًا مع بغلةٍ تسأله عن حال خلَّانها البغال، فيخبرها أنَّ منهم من بلغ الإمارة، ومنهم من بلغ الوزارة.

ويمكننا بهذا أن نقول إن الحوارات في الرسالة مضت لتحقيق ثلاثة أهداف: الحصول على الإجازة، التعبير عن الموقف النقدي، النيل والسخرية من الحسَّاد. والرسالة في أغلبها مساجلة شعرية ونثرية، حيث يضع السارد نفسه ندًّا لأعظم الأعلام الأدبية لينتزع منهم شهادةً بتفوقه. فإذا انتزع شهادةً بالتفوق من الأقدمين، فليس لمعاصريه بعد ذلك حجة.

والحوار في الرسالة يتنوع بين الجد والهزل. فهو في المواقف التي يريدها أن تنتهي بالاعتراف به، يكون جادًّا. وفي المواقف التي يمضي إليها لينال من معاصريه، يفيض بالهزل. وبهذا لا يكون الحوار في الرسالة مُجرَّد أداة للتواصل، بل أداةً للصراع الأدبي، والنقد الأدبي، والنيل والسخرية. وبهذا تكون الرسالة ذات صوت أحادي لا ينفصل عن رغبة الكاتب وهدفه (العزام، 2003).

علاقة رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد بالآداب الأخرى

تعد رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد علامةً فارقةً في تاريخ الأدب العالمي؛ لما تركته من أثر بالغ في أعمال أدبية لاحقة، سواء في الشرق أو في الغرب. فمن حيث الشرق، هناك علاقة جدلية قوية بين هذه الرسالة ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري. وقد اختلف النقاد حول طبيعة هذه العلاقة؛ فذهب فريق إلى أنَّ أبا العلاء المعري تأثر بابن شهيد، وآخرون احتكموا إلى طبيعة تأثر الأندلس بالمشرق، وافترضوا أنَّ ابن شهيدٍ تأثَّر بأبي العلاء المعري، رغم البعد الزمني بينهما. وذهب فريقٌ ثالث إلى وصف العلاقة بالتناص؛ أي التفاعل الإبداعي بين نصين دون اتهام أو تقليل. ولكن الأرجح - تبعًا لحكم الزمن - أنَّ أيًّا من الرجلين لم يتأثَّر بالآخر. وهذا رأي بنت الشاطئ التي رأت أنَّ كلا النصين أثران أدبيان متميزان لإقليمين متباعدين. وإذا كان لا بُدَّ من تحديد المؤثر من المتأثِّر؛ فإنَّ رسالة ابن شهيد سبقت رسالة أبا العلاء؛ وبهذا يكون أبو العلاء متأثِّرًا برسالة ابن شهيد (بهجت، 1988؛ البيومي، 1980؛ الغسيني، 2018).

وعلى المستوى العالمي، ثمَّة من يرى تأثُّر دانتي أليغييري في الكوميديا الإلهية برسالة ابن شهيد أو برسالة المعري. ومرد هذا الرأي إلى نظرية الانتقال القائلة بانتقال الأدب الأندلسي إلى أوروبا وأثره في النهضة الأوروبية. لكنَّ كثيرًا ممن يقولون بتأثُّر دانتي بالآداب العربية الإسلامية، لا يرجعون تأثره إلى رسالة ابن شهيد حصرًا، بل يرجعونه إلى مزيج من القراءات، منها: قصة الإسراء والمعراج، رسالة الغفران لأبي العلاء المعري، بعض الصور القرآنية، آراء المفسرين، أفكار المتصوفين (عثمان، 1988؛ معطار وخديجة، 2025؛ هيكل، 1985).

والغالب أنَّ من يرى تأثُّر الآداب العالمية برسالة ابن شهيد مردُّه إلى حقيقة أنَّ ابن شهيد نفسه ضمن رسالته كثيرًا من الصور والألفاظ القرآنية. علاوةً على أنَّ ابن شهيد قد اقتبس من قصة الإسراء والمعراج في مدخل رسالته. فرحلته إلى أرض الجن مطابقة لرحلة الرسول؛ فله رفيق ودليل طريق ودابة تحمله وتطير به إلى أرض الجن؛ كما كان الطيران في المعراج النبوي الوسيلة للقاء الأنبياء والمرسلين (هيكل، 1985).

رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد أكثر من مجرَّد نص نثري أندلسي عابر؛ بل هي وثيقة وجودية وشهادة إبداعية تعكس ملامح عصر بكامله، وتجسِّد الصراع الخفي بين الذات المبدعة ومحيطها الناقد. في هذا العمل الفريد، لم يكتف ابن شهيد بتقديم سرد عجائبي ممتع، بل أقام صرحًا نقديًا متكاملًا، جاعلًا عالم الجن مسرحًا لمفاخرته الأدبية، ومن ألسنة شياطين الشعراء والخطباء شهودًا على عبقريته.

استطاع ابن شهيد بمخيلته الخصبة أن يحقق ما عجز عن تحقيقه في واقعه المر؛ فبعد أن فقد حظوته وسلطته في زمن الفتنة، وبعد أن أحسَّ بالانتقاص والتجاهل من نقاد عصره، لجأ إلى الأدب ليصنع عالمه المثالي؛ عالمًا يُنصَف فيه قدره، ويعترف فيه بتفوقه. وهكذا تحوَّلت الرسالة من مجرد رد على صديقه ابن حزم إلى منصة للدفاع عن الذات الأندلسية المبدعة، وإثبات قدرتها على مجاراة المشرق وتجاوزه.

ومن أبرز ما تمخضت عنه هذه المقالة هو الكشف عن الطبيعة الجدلية لرسالة ابن شهيد؛ فهي تجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الاعتزاز بالتراث والتمرد على قيوده. فقد استلهم ابن شهيد فكرة التوابع والزوابع من الأسطورة العربية القديمة، واقتبس بنية الرحلة من المقامة الإبليسية. وبهذا تمكَّن من صياغتها صياغةً أندلسيةً خاصَّةً، تميَّزت بخفة الظل، ودقة التصوير، والقدرة على المزاوجة بين الجد والهزل. كما أنَّ وقوفه إلى جانب التوفيقيين الذين يحكمون على النص بمعيار الجودة لا بمعيار الزمن، يظهر نضجًا نقديًا.

رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد نموذج نثري فريد في الأدب العربي، وعمل سابق لعصره، يحضر فيه الإبداع الحقيقي الذي لا يعترف بالحدود الجغرافية أو الحواجز الزمنية. وبقدر ما كانت الرسالة متنفَّسًا خياليًا لابن شهيد، أصبحت نافذةً نطل منها على عبقرية الأدب الأندلسي، وقدرته على التجديد، والتمرد، والإبداع في أحلك الظروف.


المصادر والمراجع

(1) الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير، محمد رجب البيومي، إدارة الثقافة والنشر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1980.

(2) الأدب الأندلسي من الفتح إلى سقوط الخلافة، أحمد هيكل، دار المعارف، مصر، 1985.

(3) الأدب الأندلسي من الفتح حتى سقوط غرناطة، منجد مصطفى بهجت، مديرية دار الكتب للطباعة والنشر، العراق، 1988.

(4) الأدب الأندلسي، ماريا خيسوس روبيرا متى، ت: أشرف علي دعدور، المجلس الأعلى للثقافة، 1999.

(5) الحضور الأندلسي رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي أنموذجًا، مرتضى كمال الياسري وشيماء خضير، مجلة كلية التربية، جامعة واسط، 2020.

(6) الرؤية إلى العالم في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد، فيروز لبادة وسهير رحمة، رسالة ماجستير، جامعة محمد الصديق بن يحيى، الجزائر، 2020 - 2021.

(7) الصورة الدرامية في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد، طاهر سيف غالب وعبد المجيد مصلح الصباحي، مجلة الآداب للدراسات اللغوية والأدبية، ع 12، ديسمبر، 2021.

(8) القضايا النقدية في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، نور الهدى تاوريريت، رسالة ماجستير، جامعة محمد خيضر بسكرة، 2020 - 2021.

(9) الكوميديا الإلهية - الجحيم، دانتي أليجييري، ت: حسن عثمان، دار المعارف، مصر، الطبعة الثالثة، 1988.

(10) المفارقة في رسالة التوابع والزوابع - دراسة نصية، هاشم العزام، مجلة جامعة أم القرى لعلوم الشريعة واللغة العربية وآدابها، ج 16، ع 28، شوال، 1424 - 2003.

(11) النثر الفني في القرن الرابع، زكي مبارك، مؤسسة هنداوي، 2013.

(12) بنية الشخصية في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، محمد عبد الهادي، مجلة علوم اللغة العربية وآدابها، ج1، ع 1، مارس، 2009.

(13) تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة، إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، الطبعة الثانية، 1969.

(14) تاريخ الأدب العربي - عصر الدول والإمارات - الأندلس، شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، 1989.

(15) تجليات المعراج النبوي في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، حوة بن معطار وشامخة خديجة، مجلة المحترف لعلوم الرياضة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، ج 12، ع 1، 2025.

(16) تقنيات السرد والفلسفة الجمالية في أدب الرحلة باسم فرات أنموذجًا، أدهم محمد الجنابي، مجلة القادسية للعلوم الإنسانية، م 27، ع 2، 2024.

(17) ثنائية الواقعي والخرافي في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، حسن منصور محمد، مجلة لارك، 2022.

(18) جدلية التأثير والتأثر بين رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري: محاكمة النقد العربين زاهر بن بدر الغسيني، حوليات الآداب واللغات، ج 5، ع 10، 2018.

(19) دلالة أسماء الحيوان ودلال المكان الموحش في التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، بلعباس باسين، مجلة المدونة، ج 5، ع 2، ديسمبر، 2018.

(20) دلالة المكان في رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، علي عالية وفاطمة الزهراء عطية، مجلة العلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر بسكرة، ع 34/ 35، مارس، 2014.

(21) رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، تحقيق: بطرس البستاني، دار صادر، بيروت، 1996.

(22) رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد من بلاغة الإرسال إلى بلاغة الاستقبال، ربيع عمر، مجلة الحكمة للدراسات الفلسفية، ج 10، ع 3، 2022.

(23) عجائبية الحدث في سرد ابن شُهيد رسالة التوابع والزوابع أنموذجًا، نذيرة عمارة وأحمد قوفي، مجلة الموروث، ج 8، ع 2، 2022.

(24) فاعلية التلقي النصي من خلال رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد الأندلسي، عمر ربيع ووذناني بوداد، مجلة آفاق علمية، ج 14، ع 1، 2022.

(25) مظاهر التجديد والإبداع في النثر الأندلسي، خلف محمود الجبوري، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، ج 22، ع11، تشرين الثاني، 2015.

(26) نظرات نقدية في رسالة التوابع والزوابع، نوال مصطفى إبراهيم ومريم جبر فريحات، مجلة الدراسات اللغوية والأدبية، ع1، يونيو، 2014.

There are no comments for this article at this moment. Add new comment .

Your email address will not be published. Required fields are marked *

@