هاجر منصور سراج
16 مارس، 2026

إنَّها خطوبة أختها الانطوائية، لكنَّ الضيوف يملؤون المنزل. فرحت الأم، وشجَّعتْ ابنتها، ولم تعلم أنَّ كُلَّ زميلات ابنتها لم يأتين بسبب دعوتها لهن؛ بل لأنَّها دعتْ «أفروديت»، مثالية الدفعة. سمعها الجميع ترد أنَّها ستحاول القدوم، ثم تهافتهن عليها ليحضرن. سيرين الكائن الفضائي بفستان سهرة! هي ليستْ كائنًا فضائيًا كما تتهامس الزميلات، بل كائنًا مثاليًا... المثال الذي يجب أن تحتذيه.
هي لا تعرف عنها شيئًا، لكنَّ الكتاب يُعْرَف من عنوانه. المثالية الخارجية مجرَّد وعاء تشكَّل من المثالية الداخلية. أجل! إنَّها فتاةٌ لا تغش، ولا تكذب، ولا تحبُّ. يبدو الحبُّ مجرَّد حُلِمٍ صيفي من أحلام الزميلات. ورُبَّما لو تزوَّجتْ يومًا ستتزوَّج شخصًا عظيمًا. ستأتي قريبًا وستتبدى في هيئة مثالية. تستطيع أن تتخيلها! ستبدو كأفروديت حقًّا؛ لكِنَّ الحفل انتهى، ولم تأت أفروديتْ، وتمدَّدتْ في صدرها الخيبة.
ناداها أخوها الأكبر لترافقه لشراء بعض المستلزمات لأمه. وفي الطريق سألها عن سبب حزنها، لكنَّها لم تنبس، وسرعان ما نسي الأمر. لا تعرف عن أخيها الأكبر شيئًا سوى ما يردده والداها أنَّه فاشل معيب؛ لكنَّها تراه هادئًا رزينًا، ينأى بنفسه دائمًا عن شجارات الحارة.
وقفتْ أمام ركن الأزهار في السوبر ماركت، وفكَّرت أنَّ إهداء «أفروديت» باقة أزهار. سيكون عتابًا بطريقةٍ راقيةٍ ومثاليةٍ. نظرتْ إلى باقة أزهارٍ صناعية طويلًا قبل تقرر أنَّها لا تليق. غدًا صباحًا ستشتري باقة أزهارٍ طبيعية فوَّاحةٍ مبهجة. ستمدُّها أمام أفروديت وتبتسم أبهى ابتسامتها، ثم تقول: «مؤسف أنَّكِ لم تأتِ! هذه هديَّةٌ كي تتذكريني في المرَّةِ المقبلة!».
لم تأت أفروديتْ باكرًا، فساءها ذلك، وغادرت القاعة حانقةً. يممتْ وجهها نحو البوابة عازمةً على الرحيل؛ لكنَّ خطواتها اضطربتْ حين سمعتْ صوت أفروديت. تلفَّتَتْ حتَّى رأتها. كانت تثبِّت هاتفًا قديمًا على أذنها، وجذعها منحنٍ، وكفُّها على عينيها.
اقتربتْ، فتناهى إليها صوتها باكيًا: «أرجوك! دعنا نتزَّوج! لقد تعبتُ من هذه العلاقة!».
ابتلعتْ ريقها واقتربت أكثر ناظرةً إلى ظهرها، وقد انحنى كثيرًا وبرزت فقراتها. إنَّها بشعةٌ وذليلةٌ! ما هكذا تراها دائمًا! قبضتْ على الباقة، فشعرتٍ بوخزٍ عميقٍ يدمي أصابعها. كان البائع قد نزع الشوك، ولم يكن في يدها دم؛ فلماذا تشعر بهذا الألم؟
عاد توسُّل أفروديت يصخب داخلها، مرَّةً تلو أخرى، وتبثُّه الريح، ويتلقَّاه التراب. وحين انتهت المكالمة، كانت قد اتفقت على لقاء الرجل في مكانٍ ما. وقفتْ أفروديتْ متمايلة باكيةً، فتعثَّرت واتَّسخت عباءتها. نفضت التراب، وسارت متمايلةً تعرج حتَّى انتهت إلى البوابة، فتبعتها. هي الآن أقرب إلى المشرَّدة من طالبةٍ جامعيَّةٍ متفوِّقة. هي الآن لا تشبه أفروديت ولا تشبه حتَّى ميدوسا... إنَّها شيء بشع له قدمان ورأس، وأذرع طويلة كثيرة تنهب قلبها وكُلَّ ما يحويه.
دلفتْ خلفها إلى المطعم، ودخلتْ كابينة مقابلة لها. سترى الآن هاديس الذي خطفها، الذي جعلها كائنًا قبيحًا يلائم عالمه السفلي. رأتها تضع الهاتف القديم المكسور على أذنها وتخبره برقم الكابينة. ولمَّا أتى، ظلَّت ترمش طويلًا غير قادرةٍ على تفكيك ملامح أخيها الأكبر. اضطرب قلبها وترجرج في صدرها طويلًا، فاستندت إلى الطاولة منهكةً محدِّقةً في نظرة أخيها الإبليسية المغوية.
هي فقط تُحِبُّ أن تكون مثاليةً في كُلِّ شيءٍ، فأختها الكبرى انطوائية، وأخوها الأكبر فاشل. هي فقط أرادت أن تكون اجتماعيةً وفاضلةً مثل أفروديت... فماذا الآن؟ أيَّ مثلٍ تحتذي؟
وضعتْ رأسها على الطاولة، وأطبقتْ جفنيها، ونامت.