
هاجر منصور سراج
11مايو، 2026
في عام 2021، أصدرت دار ماروشكا للنشر والتوزيع رواية (في فوهة البندقية) للكاتب الجزائري بونيف لزهاوي (مواليد 1974). وهي رواية رومانسية ذات نفس سردي كلاسيكي، تدور أحداثها في مدينة البندقية، في إيطاليا، في زمن انتشار كورونا.
تحكي رواية (في فوهة البندقية) الأحداث في زمن كورونا؛ فتصوِّر الناس في استخفافهم الأوّل، ثم رعبهم التالي، مسلِّطةً الضوء على حكاية (عمار) الرسام الجزائري العاشق للطبيبة المصرية (نور)، والتي تعرَّف عليها عن طريق الفيسبوك. وما إن حُذف حسابها من الفيسبوك حتَّى التهمه القلق لمعرفته أنَّها في الخطوط الأمامية في مجابهة الوباء؛ فعزم على زيارتها، بيد أنَّ فيروس كورونا فرض عليه رحلةً إلى إيطاليا قبل أن تتاح رحلته إلى مصر بعد أسبوعٍ من ذلك. وهناك، يلتقي ماتيا حبيبة صديقه، والتي تختلج في صدرها مشاعر إعجاب صارخ وحبٍّ وليدٍ نحو عمّار الصامت الشارد في مصير (نور). وما إن يحن موعد رحلته إلى مصر، حتّى يوضع في الحجر الصحي لإصابته بكورونا. وحين يشفى أخيرًا، لا يجد رحلةً متاحةً بعد أن أصبح الوباء حقيقةً أخيرًا، فيضطر للبقاء في منزل صديقه الذي قضى نحبه في جائحة كورونا؛ لكنّه مقامه ذاك مرهون بنقوده الباقية، وهنا يظهر من يساومه على موهبته، فيطلب منه أن يقلّد لوحات عالمية، دون وضع توقيعه، لقاء أن يحصل على قارب ينقله إلى مصر لرؤية حبيبته نور؛ فيوافق جاهلًا حقيقة تورّطه في أعمال عصابة إيطالية.
رواية (في فوهة البندقية) أوَّل رواية للكاتب، وجليٌّ من لغة السرد والوصف الكثيف - لا سيما في بداية الرواية - أنَّه خضع لسحر البلاغة العربية في البيان والبديع. وأبرز مثالٍ لهذا: التورية في عنوانه (في فوّهة البندقية)؛ إذ تحمل معنيين، الأوَّل الظاهر سلاح البندقية، والثاني الخفي مدينة البندقية الإيطالية، والتي تدور فيها معظم أحداث الرواية. وقد استخدم الكاتب تقنية الراوي العليم الذي ما يلبثُ أن يقدِّم موقفه ورأيه تعقيبًا على فكرةٍ أو حدثٍ؛ وهو الأسلوب المتّبع في الروايات الكلاسيكية التي كانت تستهدف النصح والإرشاد كهدفٍ جانبي للحكي. وقد أظهر الكاتب ثقافته الواسعة في ثنايا الرواية؛ وإن لم يوفّق في طرح ذلك لاعتماده لغةً حياديةً تقريرية حين إيراده المعلومات التاريخية - مثلًا - على لسان عجوزٍ مغرور أو مجرمٍ عربيد.
وأحسبُ أنَّ الفكرة الضابطة للنص تتجلى في (الحب/ القدر)؛ فالحب سواء كان موجّهًا نحو المحبوبة الأنثى، أو نحو العائلة، أو نحو الوطن؛ يحول القدر دائمًا دون تحقيقه. وقد أبدع الكاتب في تصوير ذلك عندما استحضر شخصيات ثانوية من جنسياتٍ عربيةٍ مختلفةٍ (فلسطين، ليبيا، سوريا، اليمن) مجسِّدًا بذلك مأساتهم المتمثلة في حب أوطانهم أو عوائلهم ووقوف القدر أمام أمنياتهم؛ وهو ما كان عمّار عازمًا على كسره متسلِّحًا بفكرة أنَّ الإنسان يصنع قدره بنفسه، وليس (المكتوب) ما يصنع كلّ شيءٍ ويغيره - كما كانت حبيبته نور تردد.
الرواية في مجملها يمكن أن تصنّف روايةً رومانسية، اجتماعية، إثارة؛ لاشتمالها على حكاية مثلث الحب (عمّار، نور، ماتيا)، وعلى مأساة الشخصيات الثانوية وكفاحهم الخاص، علاوةً على تصوير المجتمع في زمن جائحة كورونا؛ وعلى مؤامرات العصابات ووسائل الاختطاف، والقتل، والترهيب.
تقييم الرواية: 3/5