حَظُّ الْبِنْتِ: الشَّجَرَةُ النَّاطِقَةُ

حَظُّ الْبِنْتِ: الشَّجَرَةُ النَّاطِقَةُ

This story is taken from a book entitled The Secret of Life: Folk Tales from Bengal. The book is written by Lal Behari Day and translated into Arabic by Abdulwahhab Al-Maqalih. The translated version is meant for native speakers of Arabic. To make it suitable for learners of Arabic as a foreign language, we have abridged it, rephrased it in an elegant, flowing, and less complicated prose, and added to it our creative writing touch. Besides, we have fully vowelized it to make it more readable and comprehensible. Additionally, sentence structures are tailored for non-Arab learners of Arabic. This Arabic story is suitable for upper-intermediate learners.

حَظُّ الْبِنْتِ: الشَّجَرَةُ النَّاطِقَةُ

فِي إِحْدَى الْمُدُنِ الْكَبِيرَةِ، عَاشَ تَاجِرٌ غَنِيٌّ وَمَغْرُورٌ. كَانَ عِنْدَ التَّاجِرِ سَبْعُ بَنَاتٍ. وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، قَالَ التَّاجِرُ لِبَنَاتِهِ: أَنْتُنَّ تَعِشْنَ حَيَاةً جَمِيلَةً وَمُرِيحَةً. وَوَرَاءَ كُلِّ عَيْشٍ كَرِيمٍ حَظٌّ خَاصٌّ، فَمَنْ وَرَاءَ عَيْشِكُنَّ الْكَرِيمِ؟

أَجَابَتِ الْكُبْرَى: أَنَا أَعِيشُ حَيَاةً كَرِيمَةً بِفَضْلِ حَظِّكَ، يَا أَبِي.

نَظَرَ الْأَبُ إِلَى اِبْنَتِهِ الثَّانِيَةِ، فَأَجَابَتْ: حَظُّكَ هُوَ سَبَبُ عَيْشِيَ الْكَرِيمِ، يَا أَبِي.

نَظَرَ الْأَبُ إِلَى اِبْنَتِهِ الثَّالِثَةِ، فَأَجَابَتْ نَفْسَ الْإِجَابَةِ. أَجَابَتِ الْأَخَوَاتُ نَفْسَ الْإِجَابَةِ مَا عَدَا الْأُختَ الصُّغْرَى. قَالَتِ الْأُخْتُ الصُّغْرَى: أَنَا أَعِيشُ هَذِهِ الْحَيَاةَ الْكَرِيمَةَ بِفَضْلِ حَظِّي أَنَا، يَا أَبِي.

عَبَسَ الْأَبُ، وَقَالَ: أَنَا أَعْمَلُ وَأَشْقَى كَيْ تَعِشْنَ حَيَاةً كَرِيمَةً؛ لَكِنَّكِ تَقُولِينَ إِنَّ حَيَاتَكِ الْمُرِيحَةَ هِيَ بِفَضْلِ حَظِّكِ أَنْتِ؟ أَنْتِ جَاحِدَةٌ لَئِيمَةٌ! اُخْرُجِي مِنْ مَنْزِلِي، وَسَتَكْتَشِفِينَ أَنَّ حَظَّكِ سَيِّءٌ مِثْلُ أَخْلَاقِكِ.

ثُمَّ أَمَرَ الْخَدَمَ أَنْ يَحْمِلُوهَا إِلَى الْغَابَةِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَأَنْ يَتْرُكُوهَا هُنَاكَ. وَقَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهَا الْخَدَمُ، طَلَبَتْ مِنْهُم أَنْ يَسْمَحُوا لَهَا بِأَنْ تَأْخُذَ عُلْبَةَ الْخِيَاطَةِ فَقَطْ؛ فَسَمَحُوا لَهَا بِذَلِكَ. وَفِي الطَّرِيقِ، سَمِعَتِ الْبِنْتُ مُرَبِّيَتَهَا الْعَجُوزَ، وَهِيَ تَصِيحُ: إِلَى أَيْنَ تَأْخُذُونَ اِبْنَتِي؟ اُتْرُكُوا ابْنَتِي! اُتْرُكُوهَا!

تَوَقَّفَ الْخَدَمُ، وَقَالُوا: لَقَدْ أَمَرَ التَّاجِرُ بِطَرْدِ الْبِنْتِ مِنَ الْبَيْتِ. فَحَزِنَتِ الْعَجُوزُ حُزْنًا شَدِيدًا، وَقَالَتْ: إِنَّ طِفْلَتِي فِي الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ فَقَطْ! كَيْفَ يَطْرُدُهَا إِلَى الْغَابَةِ؟!

قَرَّرَتْ الْعَجُوزُ أَنْ تَذْهَبَ مَعَهَا. وَحِينَ وَصَلُوا إِلَى الْغَابَةِ، حَذَّرَ الْخَدَمُ الْبِنْتَ مِنَ الْعَوْدَةِ إلَى الْبَيْتِ؛ ثُمَّ غَادَرُوا. مَشَتِ الْبِنْتُ وَالْعَجُوزُ فِي الْغَابَةِ حَتَّى رَأَتَا شَجَرَةً كَبِيرَةً، فَجَلَسَتَا تَحْتَهَا صَامِتَتَيْنِ. قَالَتِ الْعَجُوزُ: مَاذَا نَفْعَلُ الْآنَ، يَا طِفْلَتِي؟ أَنْتِ صَغِيرَةٌ وَضَعِيفَةٌ! لِمَاذَا لَمْ تَقُولِي لِأَبِيكِ مَا يُرِيدُ؟

أَجَابَتِ الْبِنْتُ: لَكِنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ يَمْلِكُ حَظًّا خَاصًّا، وَلَنْ يَعِيشَ مَعَ عَائِلَتِهِ إِلَى الْأَبَدِ.

تَنَهَّدَتِ الْعَجُوزُ، وَقَالَتْ: هَذَا صَحِيحٌ. لَقَدْ عَلَّمْتُكِ هَذَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ أَلُومَكِ.

أَخَذَتِ الْعَجُوزُ تَبْكِي قَائِلَةً: أَنَا مُذْنِبَةٌ! أَنَا مُذْنِبَةٌ! أَنْتِ فِي الْغَابَةِ وَحْدَكِ بِسَبَبِي!

بَكَتِ الْبِنْتُ، وَقَالَتْ: لَا! لَا! أَنَا مَنْ تَكَلَّمَ، وَأَنَا مُؤْمِنَةٌ بِصِحَّةِ كَلَامِي. أَرْجُوكِ، لَا تَبْكِي!

ظَلَّتِ الْعَجُوزُ تَبْكِي قَائِلَةً: أَنْتِ وَحْدَكِ، وَسَوْفَ يُصِيبُكِ الْأَذَى! أَبُوكِ عَاقَبَكِ بِسَبَبِي.

وَظَلَّتِ الْبِنْتُ تَبْكِي حَتَّى سَمِعَتَا صَوْتًا يَقُولُ: أَنَا أَبْكِي أَيْضًا بِسَبَبِ مَا حَصَلَ لَكِ، أَيَّتُهَا الْبِنْتُ الْمِسْكِينَةُ! كَلَامُكِ حَقٌّ! كُلُّ إِنْسَانٍ يَمْلِكُ حَظًّا خَاصًّا، وَمَا حَصَلَ لَكِ الْيَوْمَ هُوَ جُزْءٌ مِنْ حَظِّكِ.

تَلَفَّتَتِ الْعَجُوزُ وَالْبِنْتُ حَوْلَهُمَا، لَكِنَّهُمَا لَمْ يَعْرِفَا صَاحِبَ الصَّوْتِ الْغَلِيظِ الْبَاكِي. وَقَفَتِ الْعَجُوزُ والْبِنْتُ خَائِفَتَيْنِ، فَقَالَ الصَّوْتُ الْغَلِيظُ: لَا تَخَافَا! أَنَا الشَّجَرَةُ الَّتِي تَجْلِسَانِ تَحْتَ ظِلِّهَا. لَقَدْ سَمِعْتُ حَدِيثَكُمَا وَفَهِمْتُ قِصَّتَكُمَا. أَنَا خَائِفَةٌ عَلَيْكُمَا مِنْ هَذِهِ الْغَابَةِ؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ سَتَغْرُبُ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَسَوْفَ تَخْرُجُ الْحَيَوَانَاتُ الشَّرِسَةُ. إِذَا لَمْ تَخْتَبِئَا، سَوْفَ تَأْكُلُكُمَا الْحَيَوَانَاتِ.

صَاحَتِ الْعَجُوزُ قَائِلَةً: يَا وَيْلِي! إِنَّ حَظَّكِ سَيِّءٌ، يَا طِفْلَتِي الصَّغِيرَةِ.

قَالَتِ الشَّجَرَةُ: لَا تَقْلَقَا! سَوْفَ أَفْتَحُ لَكُمَا فُتْحَةً فِي جِذْعِي. اُدْخُلَا وَاِخْتَبِئَا فِيهَا، وَسَوْفَ أُعِيدُ جِذْعِي كَمَا كَانَ. لَنْ تَصِلَ الْحَيَوَانَاتُ الشَّرِسَةُ إِلَيْكُمَا، وَأَنْتُمَا دَاخِلِي.

وَافَقَتِ الْعَجُوزُ والْبِنْتُ، فَزَحَفَتَا إِلَى فَجْوَةِ الشَّجَرَةِ، وَتَعَانَقَتَا صَامِتَتَيْنِ. وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، خَرَجَتِ الْحَيَوَانَاتُ وَشَمَّتْ رَائِحَةَ الْعَجُوزِ وَالْبِنْتِ. تَجَمَّعَتِ الْحَيَوَانَاتُ حَوْلَ الشَّجَرَةِ، وَبَدَأَتْ تَخْدِشُ سَاقَ الشَّجَرَةِ وَجِذْعَهَا. ظَلَّتِ الْحَيَوَانَاتُ تُزَمْجِرُ وَقْتًا طَوِيلًا حَتَّى نَامَتِ الْعْجُوزُ وَالْبِنْتُ، وَهُمَا خَائِفَتَانِ.

وَفِي الصَّبَاحِ، كَانَتِ الشَّجَرَةُ مَلِيئَةً بِالْخُدُوشِ، فَحَزِنَتِ الْبِنْتُ وَبَكَتْ. ذَهَبَتِ الْبِنْتُ إِلَى بِرْكَةٍ قَرِيبَةٍ، وَخَلَطَتْ مَاءً وَتُرَابًا، ثُمَّ غَطَّتْ خُدُوشَ الشَّجَرَةِ بِالطِّينِ. قَالَتِ الْبِنْتُ: شُكْرًا لَكِ، أَيَّتُهَا الشَّجَرَةُ الطَّيِّبَةُ. لَقَدْ حَمَيْتِنَا أَمْسِ!

قَالَتِ الشَّجَرَةُ: شُكْرًا لَكِ، أَيَّتُهَا الْبِنْتُ الطَّيِّبَةُ؛ لِأَنَّكِ تَعْتَنِينَ بِجُرُوحِي. سَوْفَ أُخَبِّئُكُمَا كلَّ يَوْمٍ إِلَى أَنْ تَجِدَا مَكَانًا آخَرَ.

صَمَتَتِ الشَّجَرَةُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ: أَنْتُمَا جَائِعَتَانِ الْآنَ، وَلَا يُوْجَدُ طَعَامٌ مُنَاسِبٌ فِي الْغَابَةِ. اِذْهَبَا إِلَى السُّوقِ وَاِشْتَرِيَا طَعَامًا.

تَنَهَّدَتِ الْعَجُوزُ فِي حُزْنٍ، وَقَالَتْ: لَيْسَ لَدَيْنَا أَيُّ مَالٍ. لَقَدْ مَنَعَ السَّيِّدُ طِفْلَتِي مِنْ أَنْ تَحْمِلَ أَيَّ شَيْءٍ مَعَهَا.

قَالَتِ الْبِنْتُ: لَقَدْ أَخَذْتُ صُنْدُوقَ الْخِيَاطَةِ.

قَالَتِ الْعَجُوزُ: وَمَاذَا نَفْعَلُ بِصُنْدُوقِ الْخِيَاطَةِ؟ لَيْسَ فِيهِ سِوَى إِبَرٍ، وَخُيُوطٍ، وَمِقَصَّاتٍ.

فَتَحَتِ الْبِنْتُ الصُّنْدُوقَ، فَرَأَتْ فِيهِ ثَلاثَ قِطَعٍ نَقْدِيَّةٍ. قَالَتِ الْبِنْتُ لِلْعَجُوزِ: أَمْلِكُ هَذِهِ.

تَنَهَّدَتِ الْعَجُوزُ، وَقَالَتْ: لَنْ نَشْتَرِيَ شَيْئًا بِهَذِهِ الْقِطَعِ.

تَنَهَّدَتِ الْبِنْتُ فِي حُزْنٍ، وَقَالَتْ: أَنْتِ تَحْتَاجِينَ إِلَى الْغِذَاءِ أَكْثَرَ مِنِّي. إِذَا لَمْ تَأْكُلِي جَيِّدًا، فَسَوْفَ تَمْرَضِينَ.

غَضِبَتِ الْعَجُوزُ، وَقَالَتْ: أَنْتِ مَنْ تَحْتَاجِينَ إلَى الْغِذَاءِ كَيْ تَكْبُرِي! أَعْطِنِي الْمَالَ! سَوْفَ أَذْهَبُ إِلَى السُّوقِ كَيْ أَشْتَرِيَ بِهِ شَيْئًا.

وَفِي السُّوقِ، أَرَادَتِ الْعَجُوزُ أَنْ تَشْتَرِيَ طَبَقَ عَصِيدَةٍ؛ لَكِنَّ الْجَمِيعَ رَفَضَ أَنْ يَبِيعَ لَهَا الْعَصِيدَةَ مُقَابِلَ ثَلَاثِ قِطَعٍ نَقْدِيَّةٍ. يَئِسَتِ الْعَجُوزُ، وَأَخَذَتْ تَمْشِي، وَهِي تَمْسَحُ دُمُوعَهَا. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، رَأَى رَجُلٌ الْعَجُوزَ، فَنَادَاهَا. قَالَ الرَّجُلُ لِلْعَجُوزِ: هَلْ تُرِيدِينَ طَبَقَ عَصِيدَةٍ، يَا جَدَّةُ؟

نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْعَجُوزُ، ثُمَّ أَخْرَجَتِ الْقِطَعَ النَّقْدِيَّةَ، وَقَالَتْ: لَا أَمْلِكُ إِلَّا هَذَا الْمَالَ. هَلْ سَتَبِيعُنِي؟

اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ، وَأَعْطَاهَا طَبَقًا كَبِيرًا مِنَ الْعَصِيدَةِ، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ الْعَجُوزُ مُنْدَهِشَةً، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ، يَجِدْهُ!

شَكَرَتِ الْعَجُوزُ الرَّجُلَ، وَعَادَتْ إِلَى الْغَابَةِ. كَانَتِ الْبِنْتُ جَائِعَةً جِدًّا، فَشَعَرَتْ بِالسَّعَادَةِ عِنْدَمَا رَأَتْ طَبَقَ الْعَصِيدَةِ. وَقَبْلَ أَنْ تَبْدَآ الْأَكْلَ، قَالَتِ الشَّجَرَةُ: كُلَا الْقَلِيلَ فَقَطْ، ثُمَّ اُنْثُرَا البَاقِي حَوْلَ الْبِرْكَةِ.

اِسْتَغْرَبَتِ الْعَجُوزُ وَالْبِنْتُ مِنْ كَلَامِ الشَّجَرَةِ، لَكِنَّهُمَا نَفَّذَتَا مَا قَالَتْهُ، وَهُمَا صَامِتَتَانِ. ظَلَّتِ الْعَجُوزُ وَالْبِنْتُ جَائِعَتَيْنِ طَوَالَ الْيَوْمِ؛ لَكِنَّهُمَا لَمْ يَتَذَمَّرَا. وَعِنْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، دَخَلَتِ الْعَجُوزُ وَالْبِنْتُ إِلَى دَاخِلِ الشَّجَرَةِ، وَتَعَانَقَتَا خَائِفَتَيْنِ مِنْ أَصْوَاتِ الْحَيَوَانَاتِ.

وَفِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، أَمَرَتِ الشَّجَرَةُ الْعَجُوزَ وَالْبِنْتَ أَنْ تَذْهَبَا إِلَى الْبُحَيْرَةِ. وَعِنْدَمَا ذَهَبَتَا، رَأَتَا رِيْشًا كَثِيرًا. كَانَ الرِّيشُ مُلَوَّنًا، وَجَمِيلًا، وَنَاعِمًا. اِسْتَغْرَبَتِ الْعَجُوزُ وَالْبِنْتُ، وَعَادَتَا إِلَى الشَّجَرَةِ، وَسَأَلَتَاهَا عَنْ سَبَبِ وُجُودِ الرِّيشِ، فَقَالَتِ الشَّجَرَةُ: إِنَّ هَذَا الرِّيشَ رِيشُ الطَّوَاوِيسِ. تَأْتِي الطَّوَاوِيسُ إِلَى الْبِرْكَةِ أَحْيَانًا، وَتَتْرُكُ خَلْفَهَا رِيشًا كَثِيرًا. يَأْتِي بَعْضُ النَّاسِ كَيْ يَجْمَعَ الرِّيشَ وَيَصْنَعَ مِنْهُ مَرَاوِحَ غَالِيَةً. أَنَا أَرَى النَّاسَ يَشْعُرُونَ بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ أَنْ يَبِيعُونَهَا. أَعْتَقِدُ أَنَّكُمَا سَتَحْصُلَانِ عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ إِذَا صَنَعْتُمَا مَرَاوِحَ مِنْ رِيشِ الطَّاوُوسِ.

فَرِحَتِ الْعَجُوزُ وَالْبِنْتُ بِالْخَبَرِ، وَأَخَذَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَصْنَعُ مِرْوَحَةً. وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَتِ الْعَجُوزُ إِلَى قَصْرِ حَاكِمِ الْمَدِينَةِ، وَعَرَضَتْ عَلَى الْحَاكِمِ الْمِرْوَحَتَيْنِ. وَعِنْدَمَا غَادَرَتِ الْعَجُوزُ الْقَصْرَ، كَانَتْ تَحْمِلُ مَالًا كَثِيرًا. اِشْتَرَتِ الْعَجُوزُ طَعَامًا كَثِيرًا، وَعَادَتْ إِلَى الْغَابَةِ. تَنَاوَلَتِ الْعَجُوزُ وَالْبِنْتُ الطَّعَامَ، ثُمَّ نَثَرَتَا الْبَاقِي حَوْلَ الْبِرْكَةِ. وَعِنْدَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، اِخْتَبَأَتَا دَاخِلَ الشَّجَرَةِ.

وَبَعْدَ عَامٍ، أَصْبَحَ عِنْدَ الْعَجُوزِ وَالْبِنْتِ مَالٌ كَثِيرٌ، فَقَالَتْ لَهُمَا الشَّجَرَةُ: عَلَيْكُمَا أَنْ تَبْنِيَا بَيْتًا فِي الْمَدِينَةِ. لَنْ تَظَلَّا هُنَا إِلَى الْأَبَدِ.

حَظُّ الْبِنْتِ: الشَّجَرَةُ النَّاطِقَةُ

وَدَّعَتِ الْعَجُوزُ وَالْبِنْتُ الشَّجَرَةَ، وَذَهَبَتَا إِلَى الْمَدِينَةِ. اِشْتَرَتِ الْبِنْتُ أَرْضًا كَبِيرَةً، وَوَظَّفَتْ مُهَنْدِسًا بَارِعًا كَيْ يَبْنِيَ لَهَا بَيْتًا كَبِيرًا. وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، كَانَتِ الْعَجُوزُ الْمُرَبِّيَةُ مَرِيضَةً، فَاِعْتَنَتْ بِهَا الْبِنْتُ حَتَّى مَاتَتْ. وَعِنْدَمَا اِكْتَمَلَ بِنَاءُ الْبَيْتِ، شَعَرَتِ الْبِنْتُ بِالْحُزْنِ؛ لِأَنَّ الْعَجُوزَ لَمْ تَدْخُلْهُ مَعَهَا، وَلِأَنَّهَا أَصْبَحَتْ وَحِيدَةً.

ظَلَّتِ الْبِنْتُ تَذْهَبُ إِلَى الْغَابَةِ كَيْ تَجْمَعَ رِيشَ الطَّوَاوِيسِ وَتُكَلِّمَ الشَّجَرَةَ. حَدَّثَتِ الْبِنْتُ الشَّجَرَةَ عَنِ الْمَنْزِلِ، وَعَنْ شُعُورِهَا بِالْوَحْدَةِ؛ فَقَالَتِ الشَّجَرَةُ: اِجْعَلِي حَوْلَ مَنْزِلِكِ حَدِيقَةً، وَاِحْفِرِي بِرْكَةً. سَوْفَ يَأْتِي الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ كَيْ يَتَنَزَّهُوا فِي الْحَدِيقَةِ، وَسَوْفَ يَسْتَخْدِمُونَ مَاءَ الْبِرْكَةِ. لَنْ تَشْعُرِي بِالْوَحْدَةِ وَأَنْتِ تُرَاقِبِينَ النَّاسَ.

اِبْتَسَمَتِ الْبِنْتُ، وَقَالَتْ: أَنْتِ شَجَرَةٌ طَيِّبَةٌ. أَنْتِ حَنُونَةٌ أَكْثَرَ مِنْ أُمِّي.

قَالَتِ الشَّجَرَةُ: وَأَنْتِ بِنْتٌ طَيِّبَةٌ أَيْضًا.

ضَحِكَتِ الْبِنْتُ، وَقَالَتْ: أَنَا لَمْ أَعُدْ صَغِيرَةً! أَنَا الْآنَ شَابَّةٌ فِي التَّاسِعَةِ عَشْرَةَ.

عَادَتِ الشَّابَّةُ إِلَى مَنْزِلِهَا، وَطَلَبَتْ حُضُورَ الْمُهَنْدِسِ الْمَاهِرِ، ثُمَّ أَخْبَرَتْهُ بِخُطَّةِ بِنَاءِ حَدِيقَةٍ وَحَفْرِ بِرْكَةٍ. قَالَ الْمُهَنْدِسُ: سَنَحْتَاجُ الْكَثِيرَ مِنَ الْعُمَّالِ كَيْ نَحْفِرَ الْبِرْكَةَ.

قَالَتِ الشَّابَّةُ: أَعْلَمُ هَذَا! وَظِّفْ كُلَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُشَارِكَ، وَسَوْفَ أَدْفَعُ أَجْرًا يَوْمِيًّا.

وَفِي كُلِّ يَوْمٍ، كَانَتِ الشَّابَّةُ تُشْرِفُ عَلَى مَشْرُوعِهَا التِّجَارِيِّ وَعَلَى مَشْرُوعِ الْحَدِيقَةِ وَالْبِرْكَةِ. كَانَتِ الشَّابَّةُ تُرَاقِبُ الْعُمَّالَ مِنْ نَافِذَةِ مَنْزِلِهَا. وَذَاتَ يَوْمٍ، رَأَتِ الشَّابَّةُ وَجْهَيْنِ مَأْلُوفَيْنِ بَيْنَ الْعُمَّالِ؛ وَجْهَ رَجُلٍ وَاِمْرَأَةٍ. خَرَجَتِ الشَّابَّةُ مِنْ مَنْزِلِهَا، وَاِقْتَرَبَتْ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، فَعَرَفَتْهُمَا. كَانَ الرَّجُلُ وَالِدَ الْشَّابَّةِ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ أُمَّهَا. شَعَرَتِ الشَّابَّةُ بِالصَّدْمَةِ وَبِحُزْنٍ وَأَلَمٍ شَدِيدَيْنِ، فَعَادَتْ إِلَى الْمَنْزِلِ. طَلَبَتِ الشَّابَّةُ مِنْ أَحَدِ الْخَدَمِ أَنْ يُحْضِرَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ إِلَى مَكْتَبِهَا.

ذَهَبَ الْخَادِمُ إِلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّ صَاحِبَةَ الْمَشْرُوعِ تُرِيدُهُمَا، فَنَظَرَا إِلَيْهِ خَائِفَيْنِ مُرْتَبِكَيْنِ. قَالَ الْأَبُ: لَقَدْ أَتَينَا إِلَى هُنَا مِنْ مَدِينَةٍ بَعِيدَةً، وَلَقَدْ أَخْبَرَنَا الْمُهَنْدِسُ أَنَّنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْمَلَ، وَسَوْفَ نَحْصُلُ عَلَى أَجْرٍ يَوْمِيٍّ. هَلْ فَعَلْنَا شَيْئًا خَاطِئًا؟

أَجَابَ الْخَادِمُ: أَنَا لَا أَعْلَمُ. سَيِّدَتِي تَطْلُبُكُمَا.

تَنَهَّدَ الأَبُ وَمَشَى خَلْفَ الْخَادِمِ صَامِتًا، فَقَالَتِ الْأُمُّ: هَلْ تَظُنُّ أَنَّهَا سَوْفَ تُقَدِّمُنَا قُرْبَانًا بَعْدَ الْاِنْتِهَاءِ مِنَ الْحَفْرِ؟

قَالَ الْأَبُ: لَا أَعْلَمُ.

قَالَتِ الْأُمُّ خَائِفَةً: مَنْ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِهِ يَتَعَرَّضُ لِلذُّلِّ، وَالْإِهَانَةِ، وَالْخِدَاعِ!

قَالَ الْأَبُ غَاضِبًا: لَقدْ تَعَرَّضْنَا لِكُلِّ هَذَا بَعْدَ أَنْ خَسِرْنَا مَالَنَا!

صَمَتَتِ الْأُمُّ، وَدَخَلَتْ إِلَى الْبَيْتِ بَاكِيَةً. وَعِنْدَمَا رَأَى الزَّوْجَانِ أَثَاثَ الْبَيتِ، شَعَرَا بِالدَّهْشَةِ، وَعَرَفَا أَنَّ صَاحِبَةَ الْمَشْرُوعِ اِمْرَأَةٌ غَنِيَّةٌ. دَخَلَ الزَّوْجَانِ إِلَى الْمَكْتَبِ، فَرَأَيَا شَابَّةً جَمِيلَةً، تَلْبَسُ مَلَابِسَ فَاخِرَةً، وَتَضَعُ جَوَاهِرَ غَالِيَةً. لَمْ يَتَعَرَّفِ الزَّوْجَانِ عَلَى اِبْنَتِهِمَا، فَقَالَ الْأَبُ: أَنَا تَاجِرٌ سَابِقٌ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، وَقَدْ جِئْتُ إلَى هُنَا كَيْ أَجْنِي مَالًا مِنَ الْحَفْرِ.

قَالَتِ الْأُمُّ: وَأَنَا جِئْتُ مَعَهُ كَيْ نَحْصُلَ عَلَى مَالٍ أَكْثَرَ. لَدَيْنَا سِتُّ بَنَاتٍ، لَكِنَّهُنَّ مُدَلَّلَاتٌ وَلَا يَسْتَطِعْنَ الْحَفْرَ!

نَظَرَتِ الشَّابَّةُ إلَى وَالِدَيْهَا حَزِينَةً، ثُمَّ قَالَتْ: أَلَدَيْكُمَا سِتُّ بَنَاتٍ فَقَطْ؟

أَجَابَتِ الْأُمُّ: نَعَمْ. كَانَ عِنْدَنَا بِنْتٌ سَابِعَةٌ، لَكِنَّهَا مَاتَتْ عِنْدَمَا كَانَتْ فِي الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ.

قَامَتِ الشَّابَّةُ مِنْ مَقْعَدِهَا، وَمَشَتْ نَحْوَ وَالِدَيْهَا قَائِلَةً: لَكِنِّي لَمْ أَمُتْ! أَنَا حَيَّةٌ، وَقَدْ وَجَدْتُ حَيَاتِي، وَعِشْتُ حَيَاةً كَرِيمَةً بِفَضْلِ حَظِّي!

شَعَرَ الزَّوْجَانِ بِالدَّهْشَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّابَّةِ، ثُمَّ نَظَرَا إِلَيْهَا مَلِيًّا، فَعَرَفَاهَا. فَرِحَتِ الْأُمُّ فَرَحًا شَدِيدًا، وَعَانَقَتْ اِبْنَتَهَا بَاكِيَةً. أَمَّا الْأَبُ فَظَلَّ صَامِتًا مُنْدَهِشًا. وَحِينَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ اِبْنَتُهُ، قَالَ: لَقَدْ كَانَ كَلَامُكِ صَحِيحًا. كُلُّ شَخْصٍ يَمْلِكُ حَظًّا خَاصًّا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ كَيْ يَجِدَهُ وَيَرَاهُ.

(1) بَاعَتِ الْعَجُوزُ أَوَّلَ مِرْوَحَتَيْنِ ......................

There are no comments for this article at this moment. Add new comment .

Your email address will not be published. Required fields are marked *

@