هاجر منصور سراج
24 مايو، 2025

أنتجت الآراء النقدية قبل الميلاد نظرية المحاكاة لأفلاطون وأرسطو التي قام عليها المنهج الكلاسيكي. وقد شاع هذه المنهج النقدي والأدبي في عصر النهضة وظلَّ مسيطرًا على الأحوال الأدبية حتى نهاية القرن الثامن عشر. وكلامة (كلاسيك) مشتقة من (كلاسيوس) التي تشير إلى طبقة الشرفاء الأثرياء ذوي المكانة العالية، وقد أُسقطت هذه الكلمة على طبقة الأدباء الذين ارتقوا بأدبهم إلى منزلةٍ رفيعة حتى صار أدبهم أدبًا يحتذى ويُقلَّد. والأدب الكلاسيكي يلتزم الرصانة في الأسلوب والأداء، ويُغَلِّب العقل على العاطفة، ويعالج الأمور العاطفية معالجةً عقليةً خالصةً. (خفاجي، 1995)
وقد احتل النقد الكلاسيكي فترة عصر النهضة (بدأ في القرن الرابع عشر الميلادي)، واعتمد النظرة الجمالية القائمة على آراء أفلوطين، الذي أسبغ على آراء أفلاطون وأرسطو مسحة صوفيةً، وقواعد أرسطو التي وضعها في كتاب الشعر، فأصبحت النظرة الجمالية محصورةً في الجانب الأخلاقي الديني القائم على فكرة أنَّ الله الخالق هو مصدر الجمال والخير المطلق؛ فكانت فلسفة الجمال في هذه العصور تُعنى بالميتافيزيقيا وتفرض على الأدباء تصويرًا دينيًا. وقد مثَّل الفيلسوف أوغسطين نظرية الجمال في عصره في كتابه (الجميل والموافق)، وقد قامت نظريته على أقوال أفلاطون وأرسطو ومسحة أفلوطين الصوفية، فكان نتاج هذا ظهور مصطلحات: الخير الأسمى، الحكمة، الإله، الجمال العلوي، الخيرية. وتثبت هذه المصطلحات أنَّ الجمال في هذا العصر كان ميتافيزيقيًا، ومترفِّعًا عن الشعب، ومقصورًا على فئةٍ بعينها، وخاضعًا لسلطة الكنيسة. (إسماعيل، 1974)
ولم يكن النقد الكلاسيكي القائم على مبدأ الأخلاق والعقل مقصورًا على الأدب، بل شمل أنواع الفنون من رسم ونحت وغيرها؛ إذ التزم الرسامون والنحَّاتون جانب العقل والأخلاق دون السماح للعاطفة والخيال بالتدخل في إنتاجهم، من هؤلاء: ليونارد دي فنشي ومرسيل فيسان. وقد ظهر من الفلاسفة مؤيدون كثر لمذهب أفلاطون في الجمال، منهم: القديس أوغسطين وتوما الاكويني. وقد استمرَّ هذا الاتجاه النقدي للفنون حتَّى القرن السادس عشر الذي ظهر فيه (مونتاتي) حاملًا بوادر التجديد في نقد الأدب، ثم جاء بعده إيمانويل كانط الذي قضى على النقد الأخلاقي وأسس لمذهب الجمال هو وغيره من الفلاسفة، منهم: هيغل وشوبنهاور اللذين أسسا قواعد علم الجمال الحديث. (البقاعي، 1985؛ الحمداني، 1989)
وقد ظهر المنهج الجديد في النقد الجمالي نتيجة الأوضاع المضطربة والصراع الفكري، والفلسفي، والديني، والاقتصادي بين الطبقات المختلفة في أوروبا، وبروز فكرة الذاتية والفردية التي أنتجت مجموعةً من الآراء الفلسفية والنقدية أسست لظهور نظرية التعبير التي امتدت في أوروبا كلها. وكحال كل شيءٍ في العالم، لم تظهر نظرية التعبير ردًّا على نظرية المحاكاة في صورةٍ كاملةٍ مرَّةً واحدةً، بل ظهرت آراء أوَّليَّةٌ مهَّدت لظهور النظرية في قالبها المعروف حاليًا، فظهر مونتني، ثم باسكال، ثم ديكارت، ثم جاء فولتير، ثم كانط الذي أسس مجموعةً من الآراء الفلسفية في الفن والجمال. وقد قامت هذه الآراء في مجملها على ذاتية تذوق الجمال، وقياس لذة الفنون.
في أواخر عصر النهضة تغيَّرت الأوضاع السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية في أوروبا نتيجة احتكاك أوروبا بالعرب أثناء الحروب الصليبية، وتعرُّضهم لنوعٍ من التزعزع الفكري والوجودي. وبعد هذا الاحتكاك، ركَّز التجار على التجارة في الشرق، وركَّزت الحكومات اهتمامها على رحلات الاستكشاف؛ فعادت حركة التجارة والاستكشاف على أوروبا بثروات كثيرة أغنت الطبقة البرجوازية على وجه الخصوص، والتي تتكون من التجار الذين تلقَّوا تعليمًا يعينهم في تجارتهم وأسفارهم، فلم يكونوا ملتزمين دينيًا ليُعجبوا بالأدب المحصور في أدب الكاتدرائيات وأدب الطبقات العليا، بل عززت ثروتهم شعورهم بالتهميش. هذا الغنى المستجد دفع البرجوازية إلى محاولة فرض الذات والدعوة إلى احترام الفرد، دون النظر إلى نسبه. (التكريتي، 1990؛ هلال، 1971)
هذه الأفكار الانفعالية عند البرجوازية الأوروبية شكَّلتْ موجةً فكريَّةً ما لبثت أن تحوَّلت إلى تيارٍ صاخبٍ. ويشار إلى هذه الفترة من الزمن بـ (النزعة التنويرية) لانتشار الكتب التنويرية التي حرصت على إيجاد إيقاعٍ موازٍ لتيار الكلاسيكية السائد والمتحكم. فالكلاسيكية لم تكن محض اتجاه أدبي، بل كانت نظامًا ينظم العلاقات بين الناس ويحكم بسيادة فئة معينة. كما يشار إلى هذه الفترة بمرحلة (ما قبل الرومانتيكية) لأنَّها المرحلة التي أسست لظهور الرومانسية التي تفجَّرت أفكارها في مظهر الثورة الفرنسية. (التكريتي، 1990)
في أواخر عصر النهضة، ازدهرت الصناعة في أوروبا، وزادت ثروات الطبقة البرجوازية، وانتقل الناس من الريف إلى المدن، واتسعت شريحة المتعلمين تعليمًا غير ديني أدَّى بهم إلى النظر في أمور الحياة حولهم نظرةً نقديةً عبَّروا فيها عن مجموعة من الآراء التي أثَّرت على اتجاه الفن وحوَّلته من نطاق السيطرة الكنسية الأرستقراطية إلى الحضارة البرجوازية. وأبناء الطبقة البرجوازية لم يكونوا متدينين ليفرضوا على الفن التصوير الغيبي والروحاني كحال الفن الأرستقراطي، بل كانوا دنيويين يغذون فكرة الحضارة والتحرر، ويدعمون فكرة الفردية والاستقلال، ويمجدون المحسوسات، فجاء الفن في هذه الفترة موجَّهًا نحو الجمهور لا مقصورًا على فئة بعينها. (التكريتي، 1990؛ الماضي، 1993)
والأفكار الفلسفية التي نُشرت في الكتب التنويرية لروسو، وفولتير، وهيغل، وكانط، جُعلتْ أساسًا لظهور نظرية التعبير التي قامت على ترسيخ فكرة الفردية على المستوى السياسي، والاجتماعي، والثقافي؛ وأسست لقيام الثورة الفرنسية التي قضت على الحكم الإقطاعي القائم على النسب والحسب، وأقامت الديمقراطية القائمة على الانتخاب المعزز لفكرة الفردية والذاتية.
جاء في لسان العرب، في مادة (ن ظ ر): النظر: الفكر في الشيء تُقدِّره وتقيسه منك. وجاء في معجم اللغة العربية المعاصرة: «النظرية: قضية تثبت صحَّتها بحجة ودليل أو برهان (نظرية محاكاة الحيوان)»، وهي: «بعض الفروض أو المفاهيم المبنية على الحقائق والملاحظات تحاول توضيح ظاهرة معينة (نظرية الذرَّة)»، وهي أيضًا: «مجموعة المسلمات التي تُفسِّر الفروض العلمية أو الفنية (نظرية ابن خلدون في علم الاجتماع)» (عمر، 2008، ص2233). وهي في معجم مصطلحات الأدب: «جملة تصوُّرات مؤلَّفة تأليفًا عقليًا تهدف إلى ربط النتائج بالمقدمات»، وهي أيضًا: «فرض علمي يمثِّل الحالة الراهنة للعلم، ويُشير إلى النتيجة التي تنتهي عندها جهود العلماء أجمعين في حِقبة معيَّنة من الزمن» (وهبة، 1974، ص 569).
وجاء في لسان العرب، في مادة (ع ب ر): عَبَرَ الرؤيا: فسَّرها، وعبر الطريق: قطعه. وعَبَرَ الكتاب: تدَبَّره في نفسه ولم يرفع صوته بالقراءة. والعُبْرُ: البكاء، ويقال عَبَرت عينه واستعبرت: دمعت. وجاء في معجم اللغة العربية المعاصرة: عبَّر عمَّا في نفسه: أوضح، بيَّن الكلام أو غيره ما يدور في نفسه.
ونظرية التعبير هي نظريةٌ ترى أنَّ الوجود الأوَّلي للذات أو للوعي الإنساني والعالم الموضوعي حولنا إنما هو وجود مخلوق من قِبل الذات المُدركة للعالم. وهي نظرية ترفع من شأن الذات والعالم الداخلي، وتقدم العاطفة، والوجدان، والشعور على العقل، والتجربة، والخبرة. وفي جانب الأدب، يقصد بالتعبير قدرة الفنان على تصوير خلق الذات للعالم. والأدب بحسب نظرية التعبير هو التعبير عن عواطف الأديب ومشاعره، ومصدره عواطف الأديب وخبرته الخاص، ووظيفته إثارة مشاعر المتلقي وعواطفه. (الماضي، 1993)
وقد شملت نظرية التعبير كل جوانب الحياة في قالب فلسفي نظري ظهر عند فلاسفة تناولوا قضية النظرة الفردية للواقع وخلق الواقع من خلال الذات، وهو اتجاه فلسفي لم يكن موجودًا من قبل، وهو ما أشاع فكرة الذاتية في المجتمع وكان البذرة الأولى لقيام الثورة الفرنسية. ومعظم هؤلاء الفلاسفة تناولوا الفن في سياق التحليل الفلسفي، ووضعوا للجمال والفن تحليلًا خاصًا وأفكارًا معينةً اُستخدمت لاحقًا في التنظير الأدبي والنقدي. ومن هؤلاء الفلاسفة: كانط، هيغل، شوبنهاور. (الماضي، 1993؛ نوكس، 1985)
بدأت النظرات الفلسفية الأولى في علم الجمال على يد سقراط الذي أسنَّ المحاورات لتحليل المسلمات ونقضها، ثم جاء بعده أفلاطون الذي قيَّم الجمال وجعله جمالًا أخلاقيًا خالصًا. وهذه المرحلة من مراحل التنظير في علم الجمال يُطلق عليها (مرحلة الطفولة). وفي العصور الوسطى، شاعت فلسفة أفلوطين الذي كان يعتد بالجمال المطلق المدرك بالروح. وقد سيطرت نظرة أفلوطين الجمالية على العصور الوسطى بسبب سيطرة الكنيسة التي سعت إلى تأكيد فكرة أنَّ الله هو مصدر الجمال. وفي العصور الوسطى، جاء أوغسطين وتوما الإكويني اللذين استندا إلى فلسفة أفلاطون وأفلوطين في الجمال. هذا كان الاتجاه الميتافيزيقي للجمال، وفي عصر النهضة أصبح لعلم الجمال منهجان: التجريبي الذي يرى أنَّ الأشياء ليست جميلةً في الواقع، إنما الجمال يقوم فينا. والاتجاه العقلي الذي يميز بين الإحساس بالصفات الحسية وبين الفكرة أو العرض العام. وفلاسفة هذا الاتجاه هم: ديكارت، اسبينوزا، ليبنتز، فولف، باومجارتن. وجاء بعد هؤلاء كانط الذي أسس لنظريته الخاصة في الجمال. (إسماعيل، 1974؛ البقاعي، 1985)
هو إيمانويل كانط، ولد عام 1724م في مدينة كونجسبرج الواقعة على الحدود الشمالية الشرقية الألمانية. وقد ولد لعائلة فقيرة، ونشأ في جو مسيحي متديِّن قائم على نزعة التقوية التي تؤكد على أهمية الطابع الفردي للإيمان وعلى أهمية الإرادة الخيرة في حياة الإنسان وتقدمها على سائر الطقوس التعبدية الشكلية؛ فكان لنشأته هذه أثر كبير في شخصيته، فعاش محبًّا للطبيعة شغوفًا بها، متأملًا في ذاته ومنطلقًا منها إلى الواقع حوله. (عويضة، 1993)
وعندما كان كانط في الثامنة من عمره، التحق بالكلية الفردريكية بكونجسبرج، وهناك درس على يد شولتس أحد رجال النزعة التقوية. وقد ظلَّ الكلية حتى عمر السادسة عشرة، ثم التحق بكلية الفلسفة في جامعة كونجسبرج، ودرس على يد كونوتسن أحد تلاميذ الفيلسوف فولف. وقد ألمَّ كانط بمجموعةٍ كبيرة من النظريات والمذاهب، كما برع في الدراسات اللاتينية وأعجب بالرومان. وبعد تخرُّجه بعمر الثانية والعشرين، عمل في تدريس بعض أبناء النبلاء، فأكسبته مخالطتهم أسلوبًا برجوازيًا مهذَّبًا في التعامل. وفي عام 1755م قام كانط بكتابة رسالة في (التاريخ الشامل للطبيعة، ونظرية السماء)، وقد كتب بعدها الكثير من الرسائل الفلسفية، مثل: (الدعامة الوحيدة الممكنة للبرهنة على وجود الله)، و(محاولة من أجل إدخال مفهوم الكميات السالبة إلى الفلسفة)، و(أحلام راءٍ مفسَّرة في ضوء أحلام الميتافيزيقا). وفي عام 1764م، نشر كانط مقالًا بعنوان (ملاحظات حول الشعور بالجمال والجلال)، وقد كتب فيه بضع ملاحظات كما هو واضح في العنوان، ولم ينشر كتابًا يوضح فيه أساسيات نظريته في الجمال إلا في عام 1790م، في كتاب (نقد ملَكة الحكم). (عويضة، 1993)
بدأ كانط نقده للحكم الجمالي بتعريف الذوق من وجهة نظر الكيف، وخلص إلى أنَّه ليس حكمًا منطقيًا قائمًا على المعرفة، بل حكمًا جماليًّا قائمًا على الوجدان. فالحكم الجمالي الذي نطلقه على الأشياء يرتبط بالرضا والارتياح الصادر من الفرد نفسه، وهو نتاج تحقيق (الشيء) التلاؤمَ والنفع وتحقيق لذةٍ نستشفها بالحواس. ثم رأى كانط أنَّ الشيء الحسن هو ما نقدره ونستحسنه لقيمته الموضوعية؛ بينا لا يملك النافع قيمةً في ذاته، بل يملك قيمته من الغاية التي يساعد في تحقيقها. (نوكس، 1985؛ عويضة، 1993)
وتُلخَّص فلسفة كانط في علم الجمال في أنَّه يرى الفن بين عالمين: حسي وعقلي. ويرى أنَّ الفن يربط بين العقل النظري والعقل العملي أو بين العلم والأخلاق. ومن هنا حدد موضوع الفن في: الجمال والجلال. وهو يرى أنَّ الجمال يتكوَّن من أربع بُره (لحظات): الكيفية، الكمية، النسبة، الشكل. وهذه البره تمثل حدود حكم الذوق، ودافع كانط في وضعها هو التمييز بين الجميل والعملي، أو الأخلاقي، أو العملي. (نوكس، 1985؛ البقاعي، 1985)
وفي البرهة الأولى (الكيفية)، يكون حكم الذوق حياديًا، ففيه يحدد الذوق الرضا عن الشيء أو عدم الرضا به. والحكم بالرضا صادر من مبدأ اللذة والألم الذي يثيره عندنا الشيء ولا يتعلق بوجود الشيء. فالعامل في تحديد الجمال هنا هو عاملٌ ذاتي قائم على الرضا والارتياح. وفي البرهة الثانية (الكمية)، يحدد كانط أنَّ الجميل هو ما يسر ويرضي بشكلٍ كلي بعيدًا عن أيِّ تصوُّرٍ عقلي. وفي البرهة الثالثة (النسبة) يحدد كانط أنَّ حكم الذوق يقوم على صورة غائية الموضوع (أو على طريقة انطباعه)، وهو بهذا يناقض الفهم القَبْلي في الحكم المنطقي، فيرى أنَّ الجمال يطلق على الشيء تعبيرًا عن قصدية لا قصد فيه، أي دون قصد ظاهر في طبيعة الشيء؛ أي أنَّ الشيء الجميل يرضي رضىً كليًّا دون تدخل فكرة تصورية، وهذه البرهة تسمح بقيام توحد في الحكم الذوقي بين الفهم والمخيلة. والفهم في هذه البرهة لا يكون محكومًا ومحددًا بتصورات معينة، فالشيء يُشعِر الفردَ بالرضا والملاءمة لأسباب داخلية عند الفرد غير محكومة بشروط معينة. وكانط يريد بهذا أن الشيء يثير في الفرد متعةً خالصةً لا علاقة لها بالحس أو المشاعر، وهذه المتعة الخالصة نجدها في الخير. وفي البرهة الرابعة (الشكل) يرى كانط أنَّ الجميل هو ما يتم اختياره موضوعًا للسرور أو الارتياح ضرورةً، بدون أيِّ تصور، فهو يرى أنَّ ضرورة الارتياح تنبع من اتفاق كلي. وخلاصة هذه البره (اللحظات) أنَّ الجميل هو ما يبهجنا بصورةٍ شاملةٍ ضروريةٍ دون توهم أو قصدية. (البقاعي، 1985؛ نوكس، 1985)
وخلاصة نظرية كانط أنَّ الجميل هو ما يوجد في الواقع ويدركه الجميع، في حين أنَّ الجليل هو ما يتراءى لنا في صورٍ ذات أبعاد خاصةٍ تُحَدَّد بحسب قدراتنا العقلية وإدراكنا الخاص، وإذا تجاوز الشيء حدود المعقول والقدرات العقلية والإدراكية، وولد في أنفسنا شعورًا من نوعٍ آخر عصي على الإدراك فإنَّه يكون (جليلًا). فالجميل عند كانط هو شعورٌ هادئٌ يولده الشيء عند الفرد؛ بينا الجلال هو اندفاع العقل اندفاعًا عنيفًا في حركةٍ محددة. وهذه الحركة هي نوعٌ من القصدية الذاتية التي تولد في العقل النظري والعقل العملي، فيكون لدينا جلال رياضي يتعلق بالحجم، وجلال ديناميكي يتعلق بالقوة. وينشأ الجلال الأوَّل لتعارض الموضوع وتباينه مع فكرة العظمة المطلقة، ولعجز الحس عن تلبية الفكرة، ولعجز المخيلة والعقل على إصدار حكمٍ جمالي على الموضوع. وهذا العجز يولِّد ألمًا يتسبب في شعورٍ بالمتعة. أمَّا الجلال الديناميكي فينشأ عن موضوعات تكشف عجز الفرد أمام قوة الطبيعة، وتولد شعورًا بالألم يتسبب في شعور المتعة. وشعور المتعة غير المفسِّر هو ما قصد إليه كانط بمصطلح الجلال. (البقاعي، 1985؛ نوكس، 1985؛ عويضة، 1993)
وخلاصة القول أنَّ تركيز كانط على المشاعر والخيال، واعتباره الشعور طريقًا لمعرفة الحقيقة وإدراك العالم قد وضع الأساس لقيام نظرية التعبير في الأدب.
هو جورج وليم فردريك هيغل، ولد عام 1770م في شتتجارت لموظفٍ صغير في الولاية. شَغُف الآداب اليونانية واللاتينية في طفولته، وعندما بلغ الثامنة عشرة، التحق بجامعة توبنجهن ودرس اللاهوت، والطبيعة، والفلسفة. تأثر بأفكار جان جاك روسو، وبمذهب كانط، وكان رفيقًا لزميليه هولدرلن وشيلنج. اشتغل بالتدريس بين عامي (1793 - 1796م)، وأثناء هذه الفترة كتب العديد من الأفكار والخواطر في فلسفة الدين، والتي اتسمت بالفهم العقلي المتحرر للدين، ثم تتابعت كتاباته، ومن مؤلفاته: (جيمس ستيوات)، و(ظاهريات الفكر)، و(أسس فلسفة القانون)، و(علم الجمال). (عويضة، 1993)
تناول هيغل موضوع علم الجمال باعتباره جزءًا من مذهبه الفلسفي؛ فقد كان يرى أنَّ الروح المطلق، في اتجاهها نحو المثل العليا، تتجه نحو الألوهية، والحقيقة، والجمال، فينتج عن هذا الدين، والفلسفة، والجمال. فالجمال عند هيغل هو التجلي المحسوس للفكرة، فالأفكار هي مضمون الفن، والصورة التي يظهر فيها الفن إنما تستمد بنيتها من المحسوسات والخيال الخاص. وحين يلتقي المضمون مع الصورة في الأثر الفني، يتحول المضمون إلى موضوع. فالفن عند هيغل هو «وضع الفكرة أو المضمون في مادة أو صورة، وتشكيل هذه المادة على مثال لها، وبالقدر الذي تتفاوت فيه مرونة ومطاوعة المادة، تترتب الفنون الجميلة متدرجة من المادية إلى الروحية» (عويضة، 1993، ص127).
ويرى هيغل إنَّ الفن حين يبلغ غايته القصوى، يسعى إلى إيضاح حقائق تتعلق بالروح والأفكار الإنسانية العميقة. ويرى أيضًا أنَّ المطلق الجمالي يتجلى في الفن عن طريق الوسيط الحسي. وحقيقة الجمال صعبة اللمس في الموجودات الطبيعية مثل الشمس، والكواكب، وكتل المعادن الخام؛ لكن هيغل يرى أنَّ الجمال يتجلى في النباتات؛ إذ تبرز فيها الوحدة الغائية بين كل أجزائها. وإذ يقلب هيغل البصر بين الموجودات، والنباتات، والحيوانات، والبشر؛ يرى أنَّ الجمال يزداد وضوحًا كلما ارتقى بين الموجودات. ويوافق رأي هيغل أرسطو في أنَّ للفن وظيفةً تطهيرية، لكن هيغل يرى أنَّ الفنان لا يستهدف هذه الغاية، كما لا يستهدف غايةً أخرى غير الحقيقة الجمالية التي يبرزها في الصور الحسية التي يبدعها، والتي تحظى بالتقدير لجمالها فقط. (نوكس، 1985؛ عويضة، 1993)
ويقسم هيغل الفنون إلى نوعين: فن موضوعي، وفن ذاتي. فالموضوعي مثل العمارة والنحت والتصوير، والذاتي مثل الموسيقا والشعر. وأساس هذا التقسيم راجع إلى المظهر الفني والصورة الخام التي كان عليها الشيء قبل أن يصبح فنًّا، ويمثل لهذا بالعمارة؛ فهي فن رمزي لا يدل على فكرة، ولا يعبر عنها مباشرةً، والعمارة «تترجم عن القوة الرابضة واللانهائية الدائمة، لكنها تعجز عن تأدية حركة الحياة ونبضاتها» (عويضة، 1993، ص129). أمَّا النحت فيقارب بين الصورة والفكرة باعتباره نوعًا من أنواع التفكير يتمثل في نفخ روحٍ في المادة الخام؛ لكنَّ النحت يظلُّ قاصرًا عن التعبير عن اختلاجات النفس وحركة الحياة. ويرى هيغل الرسم عميقًا في التعبير، بيد أنَّه يقتصر على التعبير عن لحظة معيَّنة. أمَّا الموسيقا فإنَّها تعبِّر عن انفعالات النفس الإنسانية مستخدمةً النغم رمزًا مبهمًا يتضمن عدَّة تأويلات. ويبلغ الفن درجة الكمال في الشعر الذي يستخدم الأصوات المنطوقة المعقولة للتعبير عن مواضيع كثيرة. (نوكس، 1985؛ عويضة، 1993)
والفن عند هيغل ليس نتاجًا طبيعيًا، بل يتم من خلال النشاط الإنساني، لكنه ليس نشاطًا عامًا بل عمل موهوب بصفة خاصة. ويرى أنَّ مصدر الفن هو عبقرية الفنان الخاصة، وهي تستثار في جانب منها من ناحية الموضوع، ومن جانب آخر تنقل ذاتها من خلال هواها. ويرى هيغل أنَّ العمل الفني يحرز مظهر الحياة على سطحه في أي نوعٍ من أنواع الفنون. وما يجعل العمل الفني جميلًا ليس سوى الروح التي هي نتاج الاهتمام الإنساني الذي يفرضه تَملُّك حادثة شخصية فردية أو فعل في تعقده وظهوره. وحين يتجلى هذا الاهتمام البشري في العمل الفني يصبح أكثر شفافيةً وصفاءً، وبهذا يصبح العمل الفني «في مصاف أعلى من أي عمل طبيعي لم يتخذ هذه الرحلة من خلال الروح» (هيغل، 2010، ص 65).
وخلاصة القول أنَّ هيغل رأى أنَّ ماهية الفن هي المظهر الحسي للحقيقة، ومصدر الفن هو خبرة الفنان الخاصة، ووظيفة الفن هي أرفع صور التعبير البشري عن الحقيقة. وبحسب هيغل، للفنان القدرة على إدراك الحقيقة من خلال العنصر الحسي الذي يحرِّك في الفنان طاقة الخيال، فيدرك الفنان الحقيقة على هيئة صورة. وانطلاقًا من هذا، يرى هيغل أنَّ الفنان هو الأولى بالدراسة بسبب استخدامه لأداة الخيال لإدراك الحقيقة. (الماضي، 1993)
ولد شوبنهاور عام 1788م في دانزج لتاجر عُرف بحدة الطبع واستقلال الشخصية، وقد غادر دانزج عندما احتلتها بولندا عام 1793م حين كان آرثر شوبنهاور في الخامسة من عمره. نشأ شوبنهاور بعقلية تجارية لم يفلح في التخلص منها رغم عدم مزاولته مهنة التجارة، وهذه النظرة التجارية فرضت عليه نظرة واقعيةً نحو العالم إضافةً إلى نظرةٍ تشاؤمية نشأت من هجران أمه له، وغيرتها منه، ومحاولتها قتله حتى لا تتغلب شهرته على شهرتها. (عويضة، 1993)
هذا التشاؤم والجدية في حياته جعلته ساخرًا من العالم ومن كل المشاعر الإيجابية، فعاش كئيبًا، مرتابًا، ساخرًا، قلقًا. وكان ضحيةً للأفكار السلبية التي جعلت عيشه بائسًا؛ إذ عاش وحيدًا دون حب، أو زواج، أو أسرة، أو وطن، أو صديق. كما كان متذبذب الأفكار، غير مكترث بالحماس الوطني في عصره. وحين كان نابليون يضرب أوروبا لتوسيع فرنسا، اتجه شوبنهاور إلى الريف وكتب رسالة الدكتوراه في العقل، ثم كتب بعدها كتاب (العالم كإرادة وفكرة) الذي كان مقتنعًا أنَّه حلَّ فيه مشاكل الفلسفة، ثم عانى من الإحباط حينما لم يبع من نسخه شيء إلا بعد ستة عشر عامًا بغرض تغليف البضائع. وله مؤلفات أخرى، مثل: (مشكلة الأخلاق الأساسية)، و (النتاج والفضلات)، و(مذهب الفنون الجميلة). (عويضة، 1993)
وفي كتاب (مذهب الفنون الجميلة)، عرض شوبنهاور موقفه الجمالي، فوضع القيمة الجمالية في أعلى مستوى يمكن أن يرقى إليه الإنسان. وهو يرى أنَّ الفنان مثل الفيلسوف في عبقريته؛ فهو قادر على التأمل الميتافيزيقي من خلال أعماله الفنية مثلما يفعل الفيلسوف من خلال صوره العقلية. ويرى شوبنهاور أنَّ وظيفة الفن هي تحقيق نوعٍ من الفناء التام أو الغبطة الشاملة. (عويضة، 1993)
وفي ترتيب الفنون، جعل شوبنهاور الموسيقا أرقى الفنون، يليها شعر المأساة، يليه الرسم، يليه النحت، ويليه أخيرًا فن العمارة. وقد وضع الموسيقا في قمة الفنون لاعتقاده أنَّ العالم ليس «سوى موسيقى تجسَّدت، بوصفها إرادة نقية تحقق تمثلها في العالم من حيث أن وجود العالم يقوم على الإرادة وتمثل الموجودات» (عويضة، 1993، ص 207 و208). ويظهر لنا أنَّ نظرة شوبنهاور الجمالية قامت على ميتافيزيقا مثالية ربما تأثر فيها بآراء أستاذه كانط؛ فشوبنهاور يرى أنَّ الإرادة هي التي أوجدت الحياة والعالم، فهي جوهر العالم، أمَّا الوجود الظواهري فمحض فكرة. وبينا رأى كانط الشيءَ في جوهره عقلانيًا، رأى شوبنهاور أن الشيء «فعل كوني، لا عقلاني، أعمى، دافع كلي عنيف، أقوى من العقل وتحليلات الفهم، يفرض نفسه ويجسد نفسه في دهاء من نوع خاص - دعاء الغريزة، دهاء الإرادة» (نوكس، 1985، ص144).
اهتمام هؤلاء الفلاسفة بالفن، وتفصيلهم القول في المشاعر والخيال أسس لدراسة الأدب بحسب نظرية التعبير التي قامت على أساس التعبير عن الذات والعواطف، وتفصيل القول في المشاعر والأحاسيس، واعتبار القلب ضوء الحقيقة، وحصر وظيفة الأدب في إثارة الانفعال والعاطفة عند المتلقي. ومن هنا انطلق الأدباء في تصوير الحب وعمقه في النفس الإنسانية، فامتلأت أوروبا بأدب المحبين الذي تلقَّاه القراء الأوروبيون بحماسة وتعاطف شديدين. وتعتبر رواية (باميلا أو مكافأة الفضيلة) 1740م أبرز رواية ثورية كُتبت متحررةً من التقاليد الكلاسيكية في الأخلاق، وعرضت لأسرار المحبين وعظم المشاعر التي تمور في صدورهم، ويرى كولن ولسون أنَّ هذه الرواية علَّمت العقل الأوروبي الاستغراق في أحلام اليقظة، وهو ما ازدهر بعد هذا وشكَّل تيار الرومانسية التي بمجموعة محاولات غير منتظمة حتى تكلَّم الأدباء فيما يخصهم. (ولسون، 2008)
في القرن الثامن عشر، جعل الفلاسفة العقل الإنساني محور الوجود، وجعلوا الموجودات حيادية يُكْسِبُها العقل الإنساني وجودها الخاص. أمَّا الأدباء فجعلوا عواطفهم، وخيالهم، وأفكارهم الخاصة هي مصدر الأدب، ورأوا عقولهم أساس الفن، ورأوا الشخصية الإنسانية هي الأحق بأن تعالج في الأدب شعرًا كان أو نثرًا، فكثر الشعر الذي يتخذ الشخصية الفردية والمشاعر الخاصة موضوعًا له. وهذا الحركة هي موجة من تيار التحرير الذي غلب على العصر على المستويات كلها. وإذ تحرر الشعراء من قيود التيار الكلاسيكي، أصبحوا يتأملون في عملية الإبداع عندهم حتى خلصوا إلى مجموعةٍ من الآراء والأفكار. من هؤلاء البريطانيان: ووردزورث وكولريدج. (القلماوي، 1953؛ الماضي، 1993)
هو وليم ووردزورث، ولد 1770م وتوفي عام 1850م، وهو شاعرٌ بريطاني نبغ في القرن التاسع عشر. كان ووردزورث عاشقًا للطبيعة، كثير التجوال فيها، مرهف الحس؛ فكانت أجمل أشعاره في الطبيعة والريف. وقد نشر ووردزورث وصديقه كولريدج ديوان (قصائد غنائية) عام 1789م، ثم ظهرت الطبعة الثانية عام 1800م مع مقدمة بقلم ووردزورث وضع فيها الآراء النقدية التي انطلق منها في كتابة قصائده، وهي ما أصبحت تعد من أهم مبادئ الرومانسية. (الأصفر، 1999؛ الماضي، 1993)
وخلاصة آراء ووردزورث الواردة في مقدمته أنَّ ماهية الشعر هي «فيض تلقائي لمشاعر قوية»، وواضح أنَّه أراد أن يقول أنَّ مصدر الشعر هو هذه المشاعر القوية، لكنَّ استخدامه كلمة تلقائي أثارت الكثير من الأسئلة حول الإرادة والوعي أثناء عملية الإبداع. لقد أراد ووردزورث أن يركِّز على فكرة الشعور عند الأديب، وأنه ما يجعل أدبه مميّزًا عن أدب غيره من الشعراء الذين يتفننون في الصنعة. (الماضي، 1993)
ورأى ووردزورث أنَّ لغة الشعر يجب أنَّ تكون بسيطةً، وهي اللغة الطبيعية العادية التي نجدها عند أبناء الطبقات الدنيا وأهالي القرى الذين لم تفسدهم الحضارة. وقد رفض ووردزورث ما يسمى (الألفاظ الشعرية) وادعى أنَّ ليس ثمة فرقًا كبيرًا بين لغة الشعر والنثر، ورأى أنَّ العواطف هي ما تعطي الموضوع قيمته وليس الألفاظ. ومن ناحية الموضوع، رأى أنَّ المواضيع يجب أن تستقى من الحياة العامة والناس البسطاء؛ لأنَّ الأحداث التي تجري في الأماكن العامة تكتسب طابعًا سحريًا، ثم على الشاعر أن يضيف عليها من خياله. (الماضي، 1993؛ القلماوي، 1953)
ورأى ووردزورث أنَّ وظيفة الشعر هي تنشيط روح الإنسان وجعلها أكثر ديناميكية عن طريق تسجيل الحقيقة في شكل ممتع ومشوق. وإذ يتلقى الإنسان الحياة بهذا الشكل، يُمنح سعادةً لمعرفة جمال الكون. وهذه السعادة، بحسب ووردزورث، هي ما تجعل للشعر قيمةً. والشاعر عند ووردزورث إنسان أُنعم عليه بنعمة الحس المرهف والحماس الفائر الذي يجعله يدرك جوهر الحياة أكثر من غيره، وهو بهذا سعيدٌ بعواطفه وإرادته، وسعيد بقدرته على إدراك جوهر الحياة. ووردزورث يتفق مع كولريدج على انعدام المؤثر الخارجي، وعدم الحاجة إليه، وتفاهة شأنه في الأدب. وآراء ووردزورث النقدية شبيهةٌ بآراء أفلاطون التي حدَّدها بهدف تحقيق فكرةٍ معيِّنة، فهي لا تعدو تكون محض آراء نقدية عابرة لشاعرٍ مفتون بالطبيعة؛ بينا وضع صديقه كولريدج نظريةً أدبيةً. (القلماوي، 1953؛ الماضي 1993)
هو صموئيل تايلور كولريدج، ولد عام 1772م وتوفي عام 1834م، وهو شاعرٌ، وفيلسوف، وناقد بريطاني تأثَّر بكانط وشلنغ، واشتهر بنظرية الخيال التي فصَّل القول فيها في كتابه (السيرة الأدبية). يرى كولريدج أنَّ الخيال هو ما يميِّز الشعراء عن بقية الناس، والخيال هو الذي يصنع الحقيقة، والشاعر في صنعه للخيال إنما يتلقى الهداية في ذلك من الله. ويرى كولريدج أن الخيال نوعان: الخيال الأوَّلي، والخيال الثانوي. أمَّا الخيال الأوَّلي فهو «القوَّة الفعالة والعامل الأوَّل في كل إدراك بشري، وهو تكرارٌ في العقل المُتناهي لفعل الإبداع السرمدي في الكون اللامتناهي. أمَّا الخيال الثانوي فأراه صدى للأول» (نقلًا عن آدمز، 2019، ص23).
والخيال الثانوي يشبه الخيال الأوَّلي في الوظيفة، لكنه يختلف في الدرجة والنشاط، فهو يحطم ليخلق من جديد، وحين لا يكون هذا ممكنًا، يسعى لإيجاد الوحدة، وتحويل الواقعي إلى مثالي. فالخيال الأوَّلي خيال عامٌّ يشترك فيه البشر جميعًا؛ بينا ينفرد الشعراء بالخيال الثانوي، فهو يستخدم عناصر واقعية متنافرة، ثم يحطم التنافر ويخلق صورةً جديدةً فريدةً. وقد فصَّل كولريدج القول في الخيال، وميَّز بينه وبين الوهم، فرأى أنَّ الوهم يجمع جزئيات باردة منفصلة جمعًا تعسفيًا خاليًا من المشاعر؛ بينا يتحرى الشاعر في الخيال الجمع القائم على مشاعره الخاصة. (الماضي، 1999)
هذه الأفكار النقدية الممنهجة في دراسة الأدب بحسب نظرية التعبير ظهرت كتيار أدبي سُمِّي بالأدب الرومانسي، وقد انتشر وشاع في أوروبا وسيطر عليها وتجلى في الأشعار المتغنية بالطبيعة والريف، والمشاعر الصاخبة، والأفكار النفسية العميقة، وتأثر الإنسان بالأحداث حوله ووقعها في نفسه.
اشتقت كلمة الرومانسية Romanticism من الكلمة Roman التي كانت تستخدم في العصور الوسطى للإشارة إلى حكاية المغامرات الشعرية والنثرية، المتضمنة مشاهد ريفية، الموحية بعالم أسطوري خرافي، الممتلئة بالمواقف الشعرية. وقد ظهر هذا المصطلح أوَّلًا في ألمانيا، في القرن الثاني عشر. وهو مطلح كثير التعاريف، أحصى له البعض مائةً وخمسين تعريفًا؛ لكنَّه إجمالًا يشير إلى الأدب المكتوب باللغات القومية والخارج عن القواعد والمعايير المتعارف عليها، وهو بهذا يقابل مصطلح (كلاسيك) الذي يشار به إلى الأدب المحافظ على الأشكال القديمة. (وهبة، 1974؛ راغب، 2003؛ الحمداني، 1989؛ التكريتي، 1990)
وقد كان هذا المصطلح في أوَّل أمره يشار به إلى كل أدب يتخلله نقص أو خلل كخلل في القافية أو في اللغة، وقد كان الشاعر غوته يصف الكلاسيكية بالصحة والرومانسية بالمرض نظرًا لهذا النقص، وكان الشعراء يستحون من هذا الوصف حتى عام 1818م حين أعلن ستندال أنَّه رومانسي. ولم يحظ هذا المصطلح بالاحترام إلَّا في القرن الثامن عشر حين أصبح مرتبطًا «بالتأمل الفلسفي العميق في الكون والحياة، والطبيعة، والتفكير الذي تشوبه مسحة من الحزن لإدراك الإنسان لحقيقة مصيره الذي يؤكد له دائمًا أن كل الأشياء الجميلة المبهجة إلى الزوال» (راغب، 2003، ص312). وقد اُستخدم هذا المصطلح للإشارة إلى النظرية النقدية والأدبية المعروفة حاليًا في عام 1776م على يد الناقد الفرنسي ليتورنير حين ألقى محاضرات عن مسرح شكسبير. وقد استخدم ليتورنير هذا المصطلح عند وصفه الشخصيات ذات التفكير العميق والانفعالات. وقد تطور مصطلح الرومانسية في القرن التاسع عشر، وأصبح يشير إلى أدب التغني بالطبيعة والهروب من زحمة الحضارة وتعقيدها، وكان شليغل أوَّل من وضع الرومانسية في مقابل الكلاسيكية. (الأصفر، 1999؛ راغب، 2003؛ هلال، 1971)
والرومانسية اصطلاحًا «نزعةٌ فنيَّةٌ تجديديةٌ في جميع الفنون. تدفع الإنسان نحو الطبيعة، وإيثار الحس والعاطفة، وتفضلهما على العقل والمنطق. وأضفت صفات المثالية على أهل الريف والأطفال لما لهم من خصال بدائية رفيعة. وأولت الفردَ مزيدًا من الاهتمام. وعبَّروا عن نظرتهم هذه بالروايات التاريخية، وبقصص الحب، وبالقصائد العاطفية» (التونجي، 1999، ص499). ويرى غايتان بيكون أنَّ الرومانسية مجموعة أذواق خلَّاقة، ويعلن أنَّه لا يهتم بما تخلق، بل يهتم بحقيقة أنَّها تخلق فنًّا أصيلًا وشخصيًا، وشعارها هو السماح بكل شيء. (الأصفر، 1999)
وعناصر الرومانسية الموضوعية تتمثل في: وصف الطبيعة، التغني بالماضي، التغني بعصر الفروسية، تبجيل كيان الإنسان، تأييد الفرد في ثورته، دراسة الفنون الشعبية، التركيز على الخصائص القومية، تحرير العقل الباطن، ارتياد الأماكن الغريبة التي تحرِّك في الإنسان انفعالات متناقضة. وهذه العناصر كلها تركز على فكرة الفردية والذاتية، فيبرز في الروايات الرومانسية البطل منغلقًا على نفسه، مغمورًا بمشاعر سلبيةٍ حانقةٍ من المجتمع الظالم، خرافيًا يفضل العاطفة، والخرافة، والأمل الزائف على المنطق، والعقل، والواقع. وهذه السمات كانت سببًا في ظهور مجال علم النفس، وأدب السيرة، والأدب الشعبي. (راغب، 2003؛ الطاهر، 1983؛ الماضي، 1993)
وعلى مستوى الأسلوب الأدبي، قامت الرومانسية بمعارضة الكلاسيكية في خمسة مستويات: العقلانية، الموضوعية، التزام القواعد، مشابهة الحقيقة، الأخلاق. وتختصر هذه السمات الأسلوبية في مصطلح (الشكل المهذب) أو الرصين. وحين أطاح التيار الرومانسي بسيادة التيار الكلاسيكي، اعتمد مذهب الحرية في الكتابة، فأصبح لدينا أدب عاطفي، غير متلزم بالقواعد، جريء، تنبع موضوعاته من المجتمع، ويتسند إلى الدين والنظم الجارية، فلا يستلهم أساطير الإغريق ويخوض في قصص غيبية. وقد ساهم الانفتاح على الآداب الأجنبية في تعزيز قوة التيار الرومانسي وإذكاء سمة القومية التي دعت إلى تدوين الحكايات الشعبية، وقصص الفروسية المأثورة من العصور الوسطى، وكتابة الروايات التاريخية، والاحتفاء بالمسرحيات التاريخية. هذا كله إلى جانب الاحتفاء بالمشاعر والعواطف الفطرية غير المهذبة، والتي يمكن وصفها بالبوهيمية. وهذا الإغراق في الفطرية والعاطفية جعل الناس يهوون الحلم وينصرفون عن الحياة الواقعية الصعبة حتى انحدرت الرومانسية إلى سوق الأدب الرخيص وأفضت إلى ظهور نظريات ومذاهب أدبية أخرى. (عياد، 1993)
ويعنينا من هذه المقالة أنَّ الرومانسية قامت على أساس فلسفة الذاتية والفردية في رؤية العالم حين كان العالم يقوم على نظام الحكم الإقطاعي والكنسي الذي همَّش كل طبقات المجتمع. إنَّ نظرية التعبير هي نظرية الثورة التي لا تقتصر على الأدب فحسب أو على الفن فقط؛ بل تتسع لتشمل كل أركان الحياة وتضفي عليها جميعها سمة الفرد الحر المصوِّّر لحياته ومشاعره في أفكاره ورؤاه. وإن كانت نظرية التعبير قد قامت على هذا الإساس، فقد انتهت إلى حريةٍ غير منضبطة تلهث وراء إشباع الغرائز، والانطواء على النفس، وتجاهل الأحداث الجارية في العالم. وقد بلغ الأدب الرومانسي من الأنانية ما دفع الكثيرين إلى الثورة ضدّه، فظهرت المدرسة البرناسية في الأدب لتعيد الأدب إلى مساره الصحيح، بحسب رؤيتها، إلى جبال البرناس. وهذه المدرسة لم تنطلق من نظريةٍ خاصةٍ في الفن، لكنها أعلنت نهاية التيار الرومانسي وانتهاء زمنه.
المصادر والمراجع
(1) الأسس الجمالية في النقد العربي عرض وتفسير ومقارنة، عز الدين إسماعيل، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، 1974.
(2) الأنواع الأدبية مذاهب ومدارس، شفيق البقاعي، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1985.
(3) الخلاصة في مذاهب الأدب الغربي، علي جواد الطاهر، دار الجاحظ للنشر، بغداد، الطبعة الأولى، 1983.
(4) الرومانتيكية، محمد غنيمي هلال، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1971.
(5) المذاهب الأدبية لدى الغرب، عبد الرزاق الأصفر، اتحاد الكتاب العرب، 1999.
(6) المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، شكري محمد عياد، سلسلة عالم المعرفة، سبتمبر، 1993.
(7) المذاهب الأدبية، جميل نصيف التكريتي، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، الطبعة الأولى، 1990.
(8) المعجم المفصل في الأدب، محمد التونجي، دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الثانية، 1999.
(9) النظريات الجمالية (كانط، هيغل، شوبنهاور)، إ. نوكس، محمد شفيق شيا، منشورات بحسون الثقافية، بيروت، الطبعة الأولى، 1985.
(10) علم الجمال وفلسفة الفن، فريدريك هيغل، ت: مجاهد عبد المنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010.
(11) عمانويل كانط - شيخ الفلسفة في العصر الحديث، كامل محمد محمد عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.
(12) فن الأدب - المحاكاة، سهير القلماوي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر، الطبعة الأولى، 1953.
(13) فن الرواية، كولن ولسون، ت: محمد درويش، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، 2008.
(14) في نظرية الأدب، شكري عزيز الماضي، دار المنتخب العربي، لبنان، الطبعة الأولى، 1993.
(15) قضايا النقد - مدخل إلى نظرية الأدب، هزارد آدمز، ت: عيسى العاكوب، وزارة الإعلام، الرياض، الطبعة الأولى، 2019.
(16) مدارس النقد الأدبي الحديث، محمد عبد المنعم خفاجي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1995.
(17) مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربي الحديث، سالم أحمد الحمداني، جامعة الموصل، 1989.
(18) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 2008.
(19) معجم مصطلحات الأدب، مجدي وهبة، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 1974.
(20) موسوعة النظريات الأدبية، نبيل راغب، الشركة المصرية العالمية للنشر - لونجمان، القاهرة، الطبعة الأولى، 2003.
(21) هيغل جورج وليم فردريك - دراسة وتحليل في الفلسفة المعاصرة، كامل محمد محمد عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.