هاجر منصور سراج
5 مارس، 2026

كُلَّما مشتْ قربهم، لامستْ رائحةٌ مسكرةٌ أنوفهم. لم يعرفوا مصدر الرائحة، ولم يتأكّدوا يومًا من شكوكهم. وحين يستلقون ليلًا، تتوافد الأحلام سكرى على أرواحهم، وتخرُّ واهنةً على صدورهم. يتراءى لهم دومًا شبح امرأةٍ بيضاء يشفُّ جسدها عن أكمةٍ أزهارها بيضاء. تشوُّش الشبح أمامهم يدير رؤوسهم، فلا يستيقظون فجرًا إلَّا مغمورين بعرق الفزع.
هم لا يعرفون الشابَّة التي تخلِّف في صدورهم الفزع، ولا يشكُّون بشابَّةٍ بعينها، لكنَّهم متأكِّدون أنَّ لا رجل في العالم يتمتع برائحة مهلكةٍ كعطرها. وإذ ذاك، يروحون ويجيئون خلف الشابات في الكلية علَّهم يعثرون عليها. وكُلَّما تقادمت السنوات، تفاقم اليأس في نفوسهم، واشتدت عليهم الأحلام حتَّى استحالت كوابيس ينفرون منها.
هم الآن مجتمعون في زاويةٍ ما في إحدى قاعات الكلية، لكنَّهم لا يتكلَّمون، ولا يرمشون. هم فقط يحدِّقون في السبورة الفارغة أمامهم مستذكرين جسد المرأة الأبيض في الحلم حين تشوَّش أمامهم قبل أن يستحيل أزهارًا بيضاء عطرة انحنوا كي يأكلوها، فنهضوا مثقلين بالمرض. أخبرهم الطبيب في المستشفى أنَّهم لا بُدَّ أكلوا شيئًا ملوَّثًا، ووصف لهم أدويةً؛ لكنَّهم يعلمون أنَّ ذلك ليس السبب؛ فهم لم يأكلوا منذ استنشقوا الرائحة العطرة... رائحة الحزن المعتَّق.
تبادر ذلك إلى أذهانهم بغتةً، ولم يعرفوا أنَّ الخواطر التقت إلَّا حين اشرأبَّت أعناقهم لتنظر إلى مبنى صغير مهجور. سيجتمعون ليلًا، وسيفترشون الأرض هناك، ولن يناموا أبدًا حتَّى لا يستيقظوا واهنين باكين. سيلبثون هناك منتظرين فقط، ولن يرمشوا، ولن ينبسوا. سيوقدون شمعةً ضئيلةً ويحتشدون حولها. الليلة... الليلة فقط لن يضطجعوا على فرشهم، ولن يستنشقوا غير الغبار.
مضوا معًا حين انسكب الليل على المدينة. لم يعرف الأهلون وجهة أبنائهم، لكنَّهم لم يكلِّموهم. كانوا يراقبونهم ينحلون وتجحظ أعينهم، ولا يملكون دواءً. تركوهم لأرواحهم الهائمة علَّها تعود. ولمَّا بلغوا جميعًا المبنى المهجور، التقطتهم أعين أخرى. فزعوا، وكادوا ينكصون لولا أن تبيَّنوا وجوهًا صفراء ضامرةً كوجوههم، وأعين واسعةً فارغةً كأعينهم؛ فتجهموا. لم ينبسوا، وجلسوا جميعًا حول الشمعة يحدِّقون في شعلتها تنبض وتشهق كُلَّما اشتدت على أحدهم الرجفة.
ولمَّا انتصف الليل، توافدتْ عليهم الكوابيس وهم مستيقظون. رأوا شهب الحرب تسقط على بيوتهم وأطراف المدينة. تلفَّتوا مجفلين، لكنَّهم لم يحرِّكوا ساكنًا. كانوا جميعًا يعرفون أنَّهم في مأمن في المبنى المهجور. لقد هجروا المدينة والقرية ليمكثوا في العتم حتَّى ينقضي البطش فتقبل عليهم الأحلام. رأوا النيران تسقط، ورأوا في أيديهم الدماء. دعكوا أيديهم على البلاط المشقق وثيابهم المتربة. قرفصوا حول الشمعة اليتيمة، وكُلَّما ذابتْ حُلمًا تولَّدت في أعينهم الكوابيس.
ولمَّا سكنتْ شهب النيران، رأوا أطرافهم تتمدد وتنسحب من أجسادهم لتنغرس بين شقوق البلاط. لم يملكوا أصواتًا ليصرخوا، واشتدتْ عليهم الرجفة. تبادلوا نظراتٍ مرتعبة، واصطكت أسنانهم. تساقطتْ أعينهم على البلاط المترب، ونبتت شجرة البيلسان باسقةً عطرةً من جثثهم. ولمَّا انضموا إلى الموتى المخذولين، سمعوا همسهم القديم وهمس أسلافهم المتخاذلين: «شجرة البيلسان، أيُّ محبوبتي. أعطني من حُبِّكِ، أغرس حُبَّكِ في دمي»، فنبتتْ شجرة البيلسان في صدورهم، وتابعتْ مصَّ الحيوات.
وحين علتْ شجرة البيلسان على «جبل النهدين»، مضى الناس حولها يتنزَّهون، وتحتها يأكلون، وأوراقها يعتلفون.