طفت المرساة

طفت المرساة

هاجر منصور سراج

26 مارس، 2026


طفت المرساة

بُعَيْد أذان العصر، خفَّت أشعة الشمس على ظهره، وهبَّتْ رياحٌ خفيفةٌ ما لبثتْ أن استحالتْ ريحًا هوجاء قذفتْ بالتراب ثقيلًا على عينيه، فرفع كفيه المتربتين الداميتين ودعك عينيه. أصبح الآن قادرًا على إجابة أسئلة الناس النابضة في أعينهم. دخل الغبار عيني، فأدمعتا.

بكى، وتلفَّتت الأبصار نحوه خفيفةً طائشةً. لم يسأله أحدٌ، ولم يستغرب أحدٌ جلوسه ذاك منذ يومين. لم يحرِّك ساكنًا مذ جلس هناك إلَّا ليدعك عينيه. يبدو منهكًا، ويلتقط الناس قطرات الدماء على ثيابه الغالية بالتساؤل المغبون؛ لكنَّهم لا ينبسون ولا يقتربون.

حين خرج من بيته قبل ثلاثة أيَّامٍ، كان حذاؤه نظيفًا لامعًا، وكانت ابنته الصغرى باسمة الوجه مبتهجةً. ولمَّا قبَّل وجنتها شاكرًا، حدجت أختيها في غرور أضحكه. كانت زوجته واقفةً خلفه تنفض أشياء خفيةً على كتفيه، وتوصيه ببعض الأشياء ليشتريها في طريق عودته. وحين غادر، لوَّحن له جميعًا باسمات.

وارب جفنيه، فألفى الظلام حالكًا، وكان نباح كلبٍ يتردد في مكانٍ ما. آلمه ظهره، ووخزه صدره، ثم تمددت الوخزات؛ لكنَّه لم يستطع أن يرفع جسده أو يحرِّك قدميه. يشعر بجفنيه ثقيلين، وبعينيه ناتئتين، وبشفتيه متدليتين، وبأنفه طويلًا حساسًا. يستطيع أن يشم الغبار ويبصر الحشرات تدبُّ في الظلمة؛ لكنَّه لا يستطيع أن يتزحزح من مكانه. هذا الألم في صدره ثقيل كمرساةٍ تناسلتْ في عمق المحيط وأثقلت روحه حتَّى غمر.

ثمة ملوحة تتسلل إلى شفتيه وتتمدد على لسانه، لكنَّه يجهل من أين تأتي أو كيف تنتهي إليه. يجب أن يتحرَّك عائدًا إلى البيت كي يعطي بناته الحاجيات. أجل! الحاجيات! أين هي؟ يريد أن يرفع ظهره ويحرِّك ذراعيه بحثًا عنها؛ لكنَّ المرساة راسخةٌ في أقصى المحيط. ستزعل البنات إن عاد صفر اليدين. لن يقلن شيئًا، ولن يبكين؛ هن كأمهن تصمت وتمضي فقط حزينة العينين. لقد تعلَّم معها أن يراعي كُلَّ سلوكياته حتَّى لا يجرحها. هي لا تغضب ولا تحزن، هي فقط تصمت وتغيب. أفعل شيئًا فاختفت هي والبنات؟

يريد أن ينام علَّ هذا الألم الغريب يختفي لينهض ويفتِّش عن البنات. الحشرات تدبُّ حوله، والنباح يقترب منه. ثمَّة قط يتربص قريبًا منه، لكنَّه لن يقترب. مرَّت سيَّارة مسرعة تصخب الموسيقا داخلها، ثم هدأ الشارع كأنَّها لم تمر. الشارع هادئ كبيته. لطالما اشتكى زملاؤه من أبنائهم، لكنَّ بيته كان هادئًا. لم ترفع بنتٌ صوتها، ولم تتشاجر مع أختها، ولم تبك. جميعهن يبتسمن في هدوء، ويرحلن في صمت. هل تأخَّر عليهن تلك الليلة؟ ليته عاد باكرًا!

رأى الضوء يتمدد، لكنَّ رأسه ثقيل. لم يستطع أن يرفع رأسه أو يرمش. كُلُّ شيءٍ في وجهه متضخم متدلٍّ. كيف السبيل إلى استقامة هذا الظهر العاجز. خطوات البشر صاخبة، أنفاسهم ثقيلة، روائحهم نتنة. لماذا ينأون عنه ولماذا يرتطمون به؟ وكُلَّما سقط عليه شيء، ظنَّ نفسه قادرًا على الحراك، لكنَّ المرساة أثقل مما يتوهَّم.

هبَّت الريح، فوخزه البرد. بعد قليل، ستأتي زوجته وتضع عليه معطفًا. سيرنو إليها باسمًا ويشكرها، فتقبِّل وجنته وتعود لتجلس إلى كتابها. بيته هادئ؛ المشاعر تسبح في الهواء دافئةً ثابتةً. لا يلمح الموج أبدًا في الأنفاس. يمكنه دائمًا أن يغفو واقفًا، ولا يزعجه أحد. رُبَّما ذاك الهدوء ما يمنعه الآن من النوم. لماذا يتحرَّك البشر صاخبين؟ كيف السبيل إلى النوم؟

دعك عينيه، فتسلل الملح إلى شفتيه وتمدد على لسانه. لا يعلم كيف يصخب الموج الآن داخله. هو لم يلمس الموج في منزله قط؛ فمن أين اندلقت عليه الأمواج هائجةً؟ رُبَّما لأنَّ ظهره متضخم منحن. رُبَّما لو استقام ظهره لتنفَّس نسيم الغروب.

أطبق الظلام على المدينة، وتدلَّى رأسه عائدًا إلى التراب الثقيل والأكياس الملونة المتجمعة حول ساقيه. لم يعد يرى حذائيه الآن، ولم يعد قادرًا على رؤية الحشرات. ثمَّة ألمٌ غريبٌ يتمدد في جسده. ألمٌ غريبٌ لم يعرفه ولا يعرفه؛ لكنَّه يثقل أنفاسه ويرخي أكتافه. رُبَّما لو تنفَّس جيِّدًا لاختفى. جذب نفسًا ثقيلًا بأنفه الثقيل المتدلي؛ لكنَّه لم يمتص غير الغبار، فأنهكه السعال، وارتمى جسده على الطريق.

أشعة الشمس حارقة، والناس يتجنَّبونه مرَّةً أخرى. ها هو الصباح الثقيل. رفعه شيء. لم يعرف ما هو، وبدا غريبًا له أنَّ ذراعا إنسان حملته عن الطريق إلى الرصيف. لم ير وجه الشاب الذي حمله، ولم يعرف لماذا حمله. الناس كلهم يمشون ويتكلَّمون. يريد أن يسألهم عن الطريق إلى منزله، لكنَّه لا يستطيع أن ينبس. الغصة شائكة في حلقه، والحروف تتطاير من فمه. رفع يده واستوقف أحدهم، لكنَّ الرجل مضى عبر يده كأنَّما لا يراه ولا يستشعر وجوده.

وقف الشاب وانحنى، وأثار جلبةً حوله. لم يسمع كلامه، ولم ير وجهه. كان مشغولًا بالمرساة التي تتزحزح في صدره وتصرّ. ولمَّا طفتْ خفيفة كفقاعة شاردة، توكأ على الجدار، ورفع نفسه، ومضى. لم ينظر إلى الرجال المتجمعين حول جسده، ولم يسمع أصواتهم. ظلَّ يمشي متكئًا على الجدران، مبتعدًا عنهم وعن جسده حتَّى بلغ طريقًا يألفها.

لا يرى الوجوه، لكنَّه يرى البيوت. لا يرى الحروف على اللافتات، لكنَّه يميِّز الألوان. نعم! منزله على بعد شارعين. كان يركن سيارته هنا أحيانًا كي تحميها كاميرات المراقبة. لكنَّ الكاميرات محطَّمة الآن. لماذا؟ ليس يدري. سيارته ليستْ هنا أيضًا. لا يتذكَّر أين ركنها.

حين بلغ البيت، لم يكن هنالك بيت. قلَّب بصره على بقايا الحجارة المتطايرة من أثر الصاروخ. ثم مضى ينزعها عن جثث بناته باكيًا. لم ينظر إليه أحد، وظلَّوا معرضين عنه مهما ارتفع نحيبه. ولمَّا أطبق الليل على المدينة، سمعوا صوته يغني تهويدةً لجثث عائلته التي لم ينتزعها أحد. ارتجفت أجسادهم ودمعت أعينهم، لكنهم ظلُّوا حبيسي منازلهم. انتظروا أن يصمت، لكنَّ صوته ظلَّ يصخب ويموج في أسماعهم مهما حشروا الموسيقا في آذانهم.

There are no comments for this article at this moment. Add new comment .

Your email address will not be published. Required fields are marked *

@