القصيدة الجاهلية: البنية الخارجية

القصيدة الجاهلية: البنية الخارجية

هاجر منصور سراج

2 مارس، 2026


القصيدة الجاهلية: البنية الخارجية

تعد البنية الخارجية الثلاثية للقصيدة الجاهلية أحد أكثر القضايا النقدية إثارة للجدل سواء في النقد القديم أو الحديث لثباتها في قالبٍ شعريٍّ وصل إلى شكله الأخير بعد مراحل من التطور التدريجي، والذي لم يصلنا شواهد شعرية عليه لنتابع فيه حركة التطور؛ ولتحمُّلِها قيمًا اجتماعية ووجودية تكشف عقلية العرب قبل الإسلام، وتلقي الضوء على علاقة الإنسان العربي الجاهلي بالمرأة والصحراء. وأكثر ما يثير الجدل تنوُّعُ الأغراض فيها وعدم خلوصها إلى الغرض الرئيس إلَّا بعد غزلٍ ورحلة. وقد ذهب كثيرٌ من النقاد إلى أنَّ هذا التنوع ليس مجرَّد ترتيب تقليدي، بل سياق درامي كامل يتنقَّل فيه الشاعر من حالةٍ نفسيَّةٍ إلى أخرى (ضيف، 1960؛ مصطفى 1984؛ عطوان، 1970).

والحق أنَّ هذا التنوع الموضوعي ليس في كُلِّ الشعر الجاهلي؛ فمن يقرأ دواوين الشعر الجاهلية يجدها نوعان: قصائد طويلةٌ تُعالج موضوعات عدَّةٍ وتعبِّر عن تجارب مختلفة، وأبرزها المعلَّقات؛ وهي القصائد التي دعت إلى الحكم على الشعر الجاهلي بخلوه من الوحدة الموضوعية، وإن توفَّرت فيه الوحدة العضوية. وهذا ليس عيبًا إلَّا بالمفهوم الحديث للنقد؛ فالعرب في حقيقة الأمر كانوا يرون البراعة في إمكانية اقتطاع البيت والاستشهاد به دون الحاجة إلى إيراد ما يسبقه وما يليه أو شرح سياق القصيدة؛ ولهذا كانوا دائمًا يشيرون إلى بيتٍ بعينه بمصطلح «بيت القصيد»؛ إذ يعدونه محور القصيدة (أبو السعود والقسطاوي، 2017؛ فخر الدين، 1984).

ونوعٌ ثانٍ هو قصائد قصيرة ومقطَّعاتٌ تتجلى فيها التجربة الشعورية كاملةً، وتكشف أبعاد الحياة الجاهلية، وتصوِّر الشاعر في أرق حالاته العاطفية؛ لأنها لا تصدر عنه في تكَلُّفٍ، وتقال عند حدوث الحاجة؛ لكنَّ هذا النوع يظلُّ مغمورًا في الدراسات الأكاديمية، ويظلُّ الضوء مسلَّطًا على القصائد الطوال ذات الموضوعات المتعددة، والتي سارت على قالبٍ واحدٍ، وإن اختلفت الحالة النفسية والتجربة الشعورية فيها (أبو السعود والقسطاوي، 2017)

والغوص في تحليل بنية القصيدة الجاهلية سيكشف لنا آليات اشتغال النص الشعري القديم، وسرَّ قدرته على التماسك الفني، رغم تنوُّع موضوعاته. كما سيكشف لنا أنَّ هذا التراث الشعري ليس مجرَّد مادةٍ تاريخية جامدةٍ نستخدمها شواهد لغوية، أو اجتماعية، أو عروضية؛ بل نسيجًا حيًّا من الدلالات التي لا تزال تثير إعجاب الدارسين وتستدعي تأويلًا متجددًا.

مفهوم البنية في القصيدة الجاهلية

قبل الشروع في تحليل بنية القصيدة الجاهلية، لا بُدَّ من الوقوف عند مفهوم البنية ذاته. وقد جاء في لسان العرب «البّنْي نقيض الهدم، بنى البَنَّاءُ البِنَاءَ بَنْيًا وبِنَاءً وبِنًى، مقصور، وبنيانًا وبنيةً وبنايةً (...) والبِنْيَةُ والبُنْيَةُ: ما بَنَيْتَهُ، وهو البِنَى والبُنَى (...) والبِنْية الهيئة التي بُنِيَ عليها مثل المِشية والركبة (...) وفلان صحيح البنية أي الفطرة».

من هذا التحليل اللغوي نتبيَّن أنَّ كلمة البنية ترتبط بالمظهر والهيئة. وعلى الرغم من هذا الحضور اللغوي للمفردة، لم يستخدم النقاد العرب القدامى هذا المصطلح، وتنقَّلوا بين مصطلحاتٍ عدَّةٍ كترتيب المعاني، وحسن النسق، وعمود الشعر. أمَّا النقَّاد المحدثون، فقد اتخذوا هذا المصطلح في دراسة الشعر الجاهلي، انطلاقًا من أنَّ البنية - بحسب المناهج النقدية البنيوية - تحيل إلى النظر إلى النص على أنَّه نظام أو نسق يمكن إدراكه ومعرفته (إبراهيم، 1976).

والبنية تعني «مجموعة العناصر الأساسية التي تقوم بينها شبكة من العلاقات المتبادَلة بحيث أنَّه إذا تغيَّر أحدها أو زال تغيَّرت دلالة العناصر الأخرى بصورة موازية. وتتنوع هذه البنية من عمل إلى آخر، كما يمكنها أن تتنوع داخل العمل الواحد» (لبيب، 1987، ص 33).

وانطلاقًا من هذا المفهوم، يمكن القول إنَّ البنية الخارجية للقصيدة الجاهلية تتكون من ثلاث بنى متشابكة، وأنَّ كُلَّ بنية منها ذات علاقات متبادلة متماسكة؛ وهي تشكل معًا وحدةً دراميةً متماسكةً (السيف، 2009).

البنية الخارجية الثلاثية للقصيدة الجاهلية

تنتهج القصيدة الجاهلية منهجًا واحدًا تقريبًا؛ فتبدأ بالتشبيب بالمرأة، وهنا يصف الشاعر انتقال المحبوبة وقبيلتها، ووقوفه على أطلالها، وبكاء الدمن. وقد يصف جمال المرأة، ومدى لوعته؛ ثم ينتقل إلى مطيته (فرسًا كانت أو ناقةً)، فيصف سرعتها وطريقة سيرها. وهنا يشبهها بالحيوانات الوحشية التي يعرفها؛ ويستخدم تشبيهات يبرز فيها معرفته بعاداتها وطرائق عيشها. وبعد هذه الرحلة، يخلص إلى غرض القصيدة الذي قد يكون فخرًا، أو هجاءً، أو تحذيرًا. وهذا القالب يكاد يغلب على كل القصائد الجاهلية الطوال، ما عدا قصائد الرثاء وأمثالها (الإسكندري وآخرون، 1994؛ عطوان، 1970؛ التطاوي، 2002).

وتختلف آراء النقاد في البنية الثلاثية بشكلٍ عام، فثمَّة من يشكك فيها كُلِّيًا كالمستشرق مرجيليوث وطه حسين الذي شكَّل امتدادًا عربيًا لهذه الشكوكية. وثمَّة من يرى فيها وسيلةً فنيِّةً قصد بها الشعراء الجاهليون قضايا أخرى كانت تشغلهم وتتفاعل في أعماقهم، ولعل أبرزها قضية الحياة والموت. وثمَّة من يرى بنية النسيب والرحلة مجرَّد «أوعية فارغة وقوالب فنيَّة خالية من أيّ معنى إلَّا ما يضعه فيها الشاعر من المعنى والمدلولات التي تتلاءم والمعنى العام الذي يريده من القصيدة» (الأيوبي، نقلًا عن السيف، 2009، ص 112 - 113؛ مصطفى، 1984).

(1) بنية النسيب في القصيدة الجاهلية: (الأطلال، الظعائن، المرأة)

تتكون مقدِّمة القصيدة الجاهلية من بنيتي النسيب والرحلة؛ ويحضران معًا في القصيدة حضورًا متماسكًا سببيًا؛ فالرحلة «حاضرة في البنية الأولى من القصيدة (النسيب) عبر عنصر رحلة الظعائن، (...) وهي حاضرة في بنية الرحلة التي يركب الشاعر فيها ناقته ليغادر ساحة الأطلال» (السيف، 2009، ص 53). وبين وقوف الشاعر على الأطلال ورؤية الظعائن صورة مناقضة؛ إذ أنَّ الظعائن لم تكن مجرَّد أحمال وجمال ورعيان، بل كان فيها أمير، وجيش، ونساء متزينات، وكان في الظعائن غناء وطرب. وهذه الصورة المليئة بالفقد والطرب لا تثير في قلب الشاعر الجاهلي سوى الحزن والبكاء (العماري، 2005).

والشاعر الجاهلي في هذا البكاء الحزين يستخدم معانٍ واضحةً بسيطة، فلا يتكلَّف ولا يغرق في التخيُّل؛ بل يترك الشعر ينساب منه بسيطًا معبِّرًا عن أحاسيسه، حتَّى لنجد تشابهًا وتقاربًا في الصور. وأغلب الظنِّ أنَّ هذا الشبه مردُّه إلى استقاء الشاعر الجاهلي تشبيهاته من الطبيعة حوله؛ فالمرأة عنده تشبَّه بالشمس، والبدر، والدرُّة، والبقرة، والظبية. ويمكننا دائمًا حصر أوصافها الجسدية وردها إلى عناصر الطبيعة حول الشاعر لا إلى تشبيهات خياليةٍ بديعةٍ أو رقيقةٍ كما في صنعة الشعر العباسي الغزلي. وبيِّنٌ أنَّ السبب في هذا هو البيئة الصحراوية القاحلة؛ فوَصَفَ جسد المرأة المؤنسة لوحشته وصفًا حسيًا مستقًى من الواقع الصحراوي، محيطًا إياها بهالةٍ من الإجلال حتَّى ليرى بعض النقاد أنَّ صورة المرأة في القصيدة الجاهلية ليستْ حقيقةً في نفسها؛ بل جزءًا من التكوين الفكري الذي تندرج فيه تلك الصورة، باعتبارها صورةً للذات أيضًا (ضيف، 1960؛ قلية، 2018؛ العماري، 2005).

وقد يتقارب التشابه في الأفكار والصور حتَّى ليصل إلى تطابق بيتٍ في قصيدتين مختلفتين، وليس سبب هذا إلَّا توارد خواطر الشعراء، واعتمادهم البساطة في التعبير، واحتكامهم إلى بيئةٍ محيطةٍ واحدة. وقد نزيد على هذا فنورد بعد زمن التدوين واختلاط قصائد العرب في الذاكرة. من ذلك قول امرئ القيس في معلَّقته:

وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيَّهم ... يقولون لا تهلك أسًى وتجمَّلِ

وقول طرفة بن العبد:

وقوفًا بها صحبي عليَّ مطيَّهم ... يقولون لا تهلك أسًى وتجلَّدِ

ورغم تكرر فكرة الحب الحزين في مطلع القصائد الجاهلية، لم نجد النقُّاد القدامى ينتقصون هذا أو يعيبونه؛ بل رأوا في حضوره أهميَّةً تماثل أهميَّة المقدِّمة في الخطبة، وقد عاب ابن رشيقٍ القيرواني: «من لا يجعل لكلامه بسطًا من النسيب، بل يهجم على ما يريده مكافحةً ويتناوله مصافحة، وذلك عندهم هو: الوثب والبتر والقطع والكسع والاقتضاب كل ذلك يقال. والقصيدة إذا كانت على تلك الحال بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء» (القيرواني، 1907، ص 154 و155).

وبنية النسيب تتكون من عناصر: الأطلال، الظعائن، المرأة، الخمر، الشيب والشباب، الشكوى من الزمن. وبهذا لا تنفرد مقدِّمة الخمرة بنفسها، كمقدِّمة عمرو بن كلثوم:

ألا هُبِّي بصحنكِ فاصبحينا ... ولا تُبقِي خمورَ الأندرينا

بل تنزل تحت هذه البنية التي قد يتفرَّد أحد العناصر بها، وقد تتفاعل فيها مجموعة هذه العناصر لإنتاج مزيدٍ من الدلالات، كمعلقة زهير بن أبي سلمى الذي تفنن في وصف الأطلال وقد صارت مأوى للبقر، فوَّلد من مظهر الأطلال الميِّت صورةً حيَّةً أراد بها دلالات غير مجرَّد التمهيد والتوطئة والتعبير عن الأسى واللوعة:

أمِن أمِّ أوفى دمنةٌ لم تكلَّمِ ... بحومانة الدرَّاج فالمتثلَّمِ

ودارٌ لها بالرقمتين كأنَّها ... مراجيع وشمٍ في نواشر معصمِ

بها العين والآرام يمشين خلفةً ... وأطلاؤها ينهضمن من كُلِّ مجثمِ

ويختلف النقَّاد في تفسير حضور النسيب في القصائد الجاهلية، فثمَّة من يرى أنَّها تجيء لتحفيز قريحة الشاعر واستثارة ذوق المتلقِّي. وهذا رأي القدماء أيضًا الذين كانوا يميلون إلى ضرورة التوطئة قبل طرح الموضوع. وقد رأى ابن قتيبة أنَّ ذكر الديار والاطلال والبكاء إنما غرضه ذكر الراحلين، ثم وصل هذا بالنسيب وذكر اشتداد الشوق ليجلب عليه السامعين؛ لأنَّ التشبيب قريبٌ من النفوس. حتَّى إذا استوثق من الاصغاء إليه، عقَّب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره وشكا النصب والسهر. من هذا يكون الوقوف على الأطلال، عند ابن قتيبة، عمليةً فنيَّةً مرتبطةً بالمتلقي وسحر التوصيل ونشوة التوقُّع، لا نقلًا تجربة الشاعر (ابن قتيبة، 1967؛ مصطفى، 1984).

وقد ظلَّ هذا القالب مسيطرًا رغم أقوال أبي نواس وغيره من الشعوبيين الذين رأوا في الوقوف على الأطلال محض تقليدٍ سيء. وقد قال أبو نواس في هذا:

لا تبكِ ليلى، ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالوردِ

وأيضًا:

صفة الطلول بلاغة القدمِ ... فاجعل صفاتك لابنة الكرمِ

وأيًّا كان أوَّل وقف على الطلل وبكى واستبكى، فقد اكتسب هذا المنهج احترام اللاحقين، وصار هذا الوقوف وصورة الأطلال منهجًا ألفه الشعراء العرب وأفرغوا فيه قدراتهم الإبداعية.

(2) بنية الرحلة في القصيدة الجاهلية: (الناقة، الثور الوحشي، الحمار الوحشي)

الرحلة في القصيدة الجاهلية مكوِّنٌ رئيسٌ كالنسيب، رغم أنَّ بعض الشعراء لم يوردوها في قصائدهم، كمعلَّقة زهير بن أبي سلمى، الذي وصف الأطلال وقد صارت مرعى، ثم انتقل إلى غرضه الرئيس، وهو مدح السيدين. والرحلة غالبًا تحضر بعد أن يقضي الشاعر وقتًا في البكاء على الأطلال، ويبتعد عنها ليزيل عنه الهمَّ، فينصرف إلى تصوير دابته وتحمُّلها المشاق، ويصوِّر مشاهد للثور الوحشي، أو الحمار الوحشي، أو الظليم موردًا مجموعةً من الألفاظ التي تبرز سعة معجمه اللغوي ومعرفته. وهنا يظهر جليًّا رغبة الشاعر في إظهار جلده وقدرة تحمُّله بعد الدموع التي ذرفها في المقدِّمة وكسب بها تعاطف المتلقِّي. كما تبرز رغبته في التباهي بقوَّة راحته التي، هي أيضًا، رمز لصبره وجَلَده (السيف، 2009).

ويرى بعض النقُّاد في الحضور الحيواني الكثيف مجموعةً من الرموز التي يمكن أن توحي بمجموعةٍ من الدلالات الرمزية والميثولوجية؛ هذا إذا تجاوزنا مجرَّد التشبيهات البلاغية البسيطة. وأغلب الظنَّ أنَّ بعض النقَّاد لم يفتِّشوا عن الدلالات بسبب تشابه القصائد الجاهلية في مسار الرحلة وتشبيهات الحيوانات. وهذا التشابه ليس مردَّه تفسيرات وتأويلات متعددة قد تكسب القصيدة الجاهلية تفسيرًا لم تقصده؛ بل يضبطه التفسير الثقافي الذي يكشف عن عقلية الإنسان العربي آنذاك وطريقة عيشه التي دارت في حلقةٍ بين (المرأة، والسفر، والراحلة). فهو يقدِّس هذه الأشياء الثلاثة في كُلِّ قصائده حتَّى لتغدو ترنيمةً طقوسيةً. (السيف، 2009؛ ضيف، 1960)

وليس هذا بالشيء العجيب؛ فالإنسان الجاهلي في الصحراء لم يكن له من الثوابت في حياته المتنقِّلة غير المرأة والراحلة، وتستمر رحلته كُلَّ عام. فكأنَّ هذا النوع من الحياة اللامستقرِّة، جعلته في سعي دائم لتمثيل الثوابت. ويرى البعض أنَّ هذه البنية قبل الخلوص إلى الغرض الرئيس للقصيدة الجاهلية مردُّه إلى رغبة الشعراء المنشدين في عكاظ في أن تعلَّق قصائدهم بعد أن تظفر برضا المحكِّمين الذين كانوا يقدِّسون هذه البنية حتَّى صارت خِطَّةً ومسارًا مرسومًا يحتذونه للإجادة (فروخ، 1986؛ ضيف، 1960).

وتفنن الشعراء في بنية الرحلة جعل بعض المستشرقين يرون الشعر الجاهلي شعرًا وصفيًا في معظمه؛ فالشعراء صوَّروا الطبيعة حولهم حتَّى بدت أشعارهم لوحات فنية لدقَّة الوصف وبراعة التشبيه. ولوحة الناقة في القصيدة الجاهلية أكثر اللوحات حضورًا، ومعجمها وفير حتَّى لتبلغ في المخصص لابن سيدة مائةً وسبعين صفحةً. ولعلَّ فتنة الشاعر الجاهلي بالناقة وتأمُّله العميق فيه مردُّه إلى وجودها الدائم والضروري في حياته حتَّى ليخاطبها ويتغزَّل بها، واصفًا أدنى حركةٍ تصدر عنها (خضر، 2016؛ ضيف، 1960).

ولوحة الثور الوحشي هي اللوحة الثانية التي ينتقل إليها الشاعر بعد وصف الناقة، ويتَّخذ في الانتقال بين اللوحتين أداة التشبيه (كأنَّ) جسرًا لفظيًا. والاستطراد في التشبيه في هاتين اللوحتين يجعل القارئ المعاصر ينسى المشبَّه. ولوحة الثور الوحشي تكاد تحضر في معظم القصائد الجاهلية؛ فهو يواجه صراعه منفردًا، فيصارع أولًّا أهوال ليلةٍ عاصفةٍ، ثم يصارع الموت في مواجهة كلاب صيد. والثور في اللوحة هو المنتصر غالبًا؛ إلَّا قصائد الرثاء إذ يهلك فيها. وهذا التحوُّل في اللوحة هو ما جعل كثيرًا من النقُّاد يشير إلى رمزية لوحة الثور في بنية الرحلة، واعتبارها معادلًا فنيًا للصراع الإنسان للقدر (خضر، 2016؛ ضيف، 1960).

أمَّا الحمار الوحشي، فيشبِّه الشاعر ناقته به ليسبغ عليها حكمةً وعزيمة ومعرفة. وينتقل الشاعر الجاهلي إليها عبر التشبيه أيضًا، كقول النابغة:

كأن قتودي والنسوع غدا بها ... مصل يباري العون جأب معقرب

ولوحة الحمار في الشعر الجاهلي تركِّز على التفاصيل ذات الدلالة العالية؛ فيُركِّز الشاعر على خضرة الربيع والماء الذي يرده الحمار مع إتانه. وهذه اللوحة الهادئة تعبِّر عن حياة الشاعر واستقرار سكنه. ولمَّا ينتقل الشاعر إلى وصف الحمار في تحدي البحث عن مورد جديد، لا نستطيع إلَّا أن نرى صورة الجاهلي في بحثه الدؤوب عن أرض جديدة. من هذا نرى أنَّ لوحة الحمار الوحشي في الشعر الجاهلي تمثِّل صورة الحياة الجاهلية وصراع الإنسان الجاهلي في بيئته. ورغم التأويلات الرمزية، يجمع النقاد على أنَّ هذه اللوحات الفنية لم تكن مقصودةً لذاتها، بل كانت ترد دائمًا توطئةً للغرض الرئيس الذي يقصده الشاعر. (خضر، 2016).

 (3) بنية الغرض الرئيس في القصيدة الجاهلية: (الحماسة، الفخر، الهجاء)

الأصل في الغرض الرئيس في القصيدة الجاهلية ألَّا ينفصل عمَّا قبله انفصالًا بيِّنًا، بل يرتبط بالبنى السابقة ارتباطًا متماسكًا موحيًا. وأمَّا من يعجز عن الربط بين البنى، فإنَّه يستخدم عبارة «عدِّ عن هذا»، وما يشابهها. وتتنوع الأغراض الأصلية التي ينتهي إليها الشاعر الجاهلي، فهي بين: مدح، وهجاء، وفخر، واعتذار، وحكمة، وحماسة. وتعدُّ الحماسة من أهم الأغراض الشعرية وأكثرها حضورًا في القصيدة الجاهلية؛ لارتباطها الوثيق بالمعارك والحروب التي تقوم عليها حياتهم الاجتماعية. وهذا الغرض يعنى بتصوير المعارك والفروسية والبطولات، ويعنى بتصوير هيبة الكتائب الحربية، وبلمعان السيوف والأسنَّة بين الغبار. وأشهر قصيدةٍ في هذا الباب قصيدة مالك بن زرعة الباهلي التي تعدُّ نشيدًا من أناشيد الحرب (خضر، 2016؛ التطاوي، 2002).

يقول مصوِّرًا عودته من الحرب بالغنائم والسبايا:

فدارتْ رحانا ساعةً ورحاهم ... نثلم من أركانها ونديرها

بكل رديني أصم مذرب ... وبالمشرفيات البطيء خُسورها

بضرب يزيل الهم عن مستقرِّه ... وطعن يايزاغ المخاض يثورها

وشعث نواصيهن يزجرن مقدمًا ... يحمحم في صم العوالم ذكورها

إذا انتسأوا فوت العوالي أتتهم ... عوائر نبل كالجراد تطيرها

فما إن تركنا بين قو وضارج ... ولا صاحة إلا شباعًا نسورها

وجئنا بأمثال المها من نسائهم ... صدور القنا والمشرفي مهورها

والفخر القبلي ينضح في القصيدة، ويعد أكثر غرض رئيس حاضر في القصائد الجاهلية نظرًا لطبيعة الكيان المجتمعي آنذاك، وكان الشعر بالنسبة للقبيلة سجِّلها الاجتماعي والتاريخي. وأبرز من مثَّل الفخر عمر بن كلثوم في معلَّقته التي ظلَّ التغلبيون يرددونها نشيدًا وطنيًا خاصًا بهم. وقد صوَّر بن كلثوم فيها قبيلته قبيلةً متمرِّدةً لا تخضع لسلطان ملك ولا تهادن قبيلةً؛ بل تذهب للحرب كُلَّما ساءها أمر. وقد صوَّر بن كلثوم في معلَّقته هيئة الجثث حين يغيرون على قبيلةٍ ما، وبسالة الفرسان حين يندفعون، وجمال نساء تغلب؛ حتَّى انتهى إلى عظمةٍ وعزَّةٍ شديدتين في نهاية القصيدة، وخال تغلب سادة العالم أجمعين (خضر، 2016؛ التطاوي، 2002).

يقول في أواخر معلَّقته:

وقد علم القبائل من معَدٍّ ... إذا قُبَبٌ بأبطحها قد بنينا

بأنَّا المُطعمون إذا قدَرْنا ... وأنَّا المُهْلِكُون إذا ابْتُلِينا

وأنَّا المانعون لما أردنا ... وأنَّا النازلون بحيث شينا

وأنَّا التاركون إذا سَخِطنا ... وأنَّا الآخذون إذا رضِينا

وأنَّا العاصمون إذا أُطِعنا ... وأنَّا العازمون إذا عُصِينا

ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ... ويشربُ غيرُنا كَدِرًا وطينا

وآخر بيتٍ في قصيدته هو منتهى الفخر:

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ ... تخِرُّ له الجَبابِر ساجدينا

ورغم هذا الغرور البيِّن الوقح، يقدِّم الشعر الجاهلي دائمًا صورة المجتمع الجاهلي وقد رفع من شأن الأخلاق النبيلة وأعظم أصحابها، وكان حتمًا على الفارس أن يكون ذا خُلِقٍ نبيلٍ، وحتمًا على كبير القوم أن يكون كريمًا جوادًا، يوقد النار ويولم للضيف في أشد الأوقات ضيقًا. ويبين هذا في الهجاء الذي يعكس فيه الشاعر الفضائل الأخلاقية، وأبرزها الكرم. من هذا قول الأسود بن يعفر في هجاء بني نجيح:

يبيت الضيف عند بني نجيح ... خميص البطن ليس له طعام

يهون عليهم أن يحرموه ... إذا حلبوا لقاحهم وناموا

والهجاء في الشعر الجاهلي نوعان: هجاء قبلي، وهجاء شخصي. أمَّا الهجاء القبلي فموجَّه إمَّا نحو الأعداء، أو نحو القبيلة نفسها. وما يوجَّه نحو الأعداء يستهدف التذكير بخسائرهم، ووصف هيئتهم في الفرار، وإلصاق العار واللؤم بهم. أمَّا هجاء القبيلة نفسها فينبع عادةً من الشاعر حين يرى في قبيلته أمورًا تخالف القيم والأخلاق، ويجد في نفسه عجزًا عن مسايرة ذلك، يأبى ويثور ضد القبيلة ويشهِّر بهم (خضر، 2016).

من هذا قول لبيد بن ربيعة:

هم قومي وقد أنكرتُ منهم ... شمائل بدَّلوها من شمالي

يغار على البري بغير ظلم ... ويفضح ذو الأمانة والدلال

وأسرع في الفواحش كل طمل ... يجر المخزيات ولا يبالي

أطعتم أمره فتبعتموه ... ويأتي الغي منقطع العقال

أمَّا الهجاء الشخصي، فيستهدف شخصًا معيَّنًا بسبب موقفٍ معيَّن. وهذا النوع لا يتخيَّر لغةً رفيعةً رصينةً ويستهدف فضائل الأخلاق، بل يتردَّى إلى السباب والشتم والقذف، والهدف من هذا الإيجاع والتشهير بالمهجو (خضر، 2016).

من هذا ما قاله النابغة الجعدي واصفًا نساءً جمعن قبح المظهر والمخبر:

ولم ير في من وجن الجلد نسوة ... أسبّ لأضياف وأقبح منظرا

وأعظم أقدامًا وأصغر أسؤقا ... وأعظم أفواهًا وأرحب منخرا

وأعظم بطنًا تحت درعٍ تخاله ... إذا حشي التبي زقًا مقيرا

وأبغى على زوجٍ لئيم كلاهما ... إذا التمر في أعفاجهن تقرقرا

وكان للهجاء دائمًا أثرٌ كثيرٌ على النفس، فهو تشهير ينتهي أحيانًا بالمهجو إلى البكاء. ونظرًا لهذا الأثر السيء، كان بعض الشعراء ينأون بأنفسهم عنه، ولا يجيبون من يهجونهم.

من هذا قول صخر بن عمر بن الشريد السلمي، بعد أن رفض هجو بني غطفان:

وعاذلةٍ هبتْ بليلٍ تلومني ... ألا لا تلوميني كفى اللوم ما بيا

تقول ألا تهجو فوارس هاشم ... وما لي أن أهجوهم ثم ما ليا

أبى الشتم أنى إن أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا

من هذا، يتجلَّى لنا أنَّ هذا التراث الشعري العريق لم يكن مجرَّد قوالب جامدة يكررها الشعراء تقليدًا أعمى، بل كان نسيجًا فنيًّا محكمًا يعكس رؤية شاملة للحياة والوجود. فالبنية الثلاثية المتمثلة في النسيب، والرحلة، والغرض الرئيس، على ثباتها الظاهري، تتيح مساحةً واسعةً للإبداع والتنويع، حيث يصوغ كُلُّ شاعرٍ تجربته الخاصة في إطار هذا الهيكل الكلي، محققًا بذلك توازنًا دقيقًا بين الالتزام بالتقاليد الشعرية والتعبير عن ذاته وبيئته.

وقد ظهر لنا أنَّ هذه البنية ليست ترتيبًا شكليًا فحسب، بل سياقًا دراميًا متكاملًا يأخذ المتلقي في رحلةٍ وجدانيةٍ وفكريَّةٍ؛ تبدأ من الحنين والأسى على الأطلال، مرورًا بالتحدي والصبر في وصف الرحلة والراحلة، وصولًا إلى الغرض الرئيس الذي يعلن فيه الشاعر عن موقفه من قومه أو أعدائه أو قيمه. وهذه الوحدة العضوية التي تجمع بين الأغراض المختلفة تؤكد على أنَّ الشعر الجاهلي، في أرقى نماذجه، كان يمتلك وعيًا فنيًّا بقوانين التماسك والتناسق، وأنَّه ليس مجرَّد مادةٍ تاريخيةٍ أو لغويةٍ، بل نصًّا حيًّا يستدعي التأويل المتجدد.

وإذا كانت القصائد الطوال قد استحوذت على اهتمام الدارسين عبر العصور، فإنَّ الإشارة إلى وجود نوعٍ آخر من القصائد القصيرة والمقطعات تفتح الباب أمام مزيد من البحث والتنقيب في طبيعة التجربة الجاهلية بكل أبعادها. وفي النهاية، تظل القصيدة الجاهلية نموذجًا أصيلًا للفن الشعري العربي، تشهد بعبقرية الإنسان العربي في التعامل مع لغته، وبيئته، وقضاياه الوجودية. وتبقى البنية الخارجية الثلاثية للقصيدة الجاهلية شاهدًا على قدرة الشعر الجاهلي على تجاوز الزمن والاستمرار في إثارة الإعجاب والتأمل.


المصادر والمراجع

(1) أشكال الصراع في القصيدة العربية، عبد الله التطاوي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2002.

(2) الأدب الجاهلي أسسه وموضوعاته، فضل بن عمار العماري، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، الطبعة الأولى، 2005.

(3) الأدب في مختلف العصور، أبو السعود سلامة أبو السعود ورمضان خميس القسطاوي، الإعلام والإيمان للنشر والتوزيع، 2017.

(4) الشعر والشعراء، ابن قتيبة، ت: أحمد محمد شاكر، دار المعارف، 1967.

(5) العصر الجاهلي، شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، 1960.

(6) العمدة في صناعة الشعر ونقده، أبي علي الحسن بن رشيق القيرواني، مطبعة السعادة، الطبعة الأولى، 1907.

(7) المفصَّل في تاريخ الأدب العربي - في العصور القديمة والوسيطة والحديثة، أحمد الإسكندري وآخرون، دار إحياء العلوم، بيروت، الطبعة الأولى، 1994.

(8) الوقوف على الطلل، محمد عبد المطلب مصطفى، مجلَّة فصول، المجلَّد الرابع، العدد الثاني، 1984.

(9) بنية الرحلة في القصيدة الجاهلية: الأسطورة والرمز، عمر بن عبد العزيز السيف، دار الانتشار العربي، لبنان، 2009.

(10) تاريخ الأدب العربي، عمر فروخ، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الرابعة، 1981.

(11) سوسيولوجيا الغزل العربي (الشعر العذري نموذجًا)، الطاهر لبيب، ت: مصطفى المسناوي، دار الطليعة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1987.

(12) شكل القصيدة العربية في النقد العربي حتى القرن الثامن الهجري، جودت فخر الدين، منشورات دار الآداب، بيروت، الطبعة الأولى، 1984.

(13) صورة المرأة في ديوان الأعشى الكبير، أحمد بن قلية، جامعة قاصدي مرباح، ورقلة، 2018.

(14) في النقد والأدب، إيليا الحاوي، الجزء الأوَّل، دار الكتاب اللبناني، بيروت، الطبعة الخامسة، 1986.

(15) قضايا الشعر الجاهلي، فتحي إبراهيم خضر، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، 2016.

(16) مشكلة البنية، زكريا إبراهيم، دار مصر للطباعة، مصر، 1976.

(17) مقدّمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي، حسين عطوان، دار المعارف، مصر، 1970.

There are no comments for this article at this moment. Add new comment .

Your email address will not be published. Required fields are marked *

@