هاجر منصور سراج
14 أغسطس، 2025
أَخْبِر الطير، ذلك الطير هناك! أنا لا أراه، لكني أستطيع سماع رفرفة جناحيه وخفقان قلبه الصغير. يبدو متعبًا، لكنَّه لا يزال يتنفس ويحاول الطيران! أخبره أنني ظللتُ أنتظر عودة ولدي عشرة أعوامٍ كاملة. أخبره أنَّ هواء البيت خانقٌ، وأنَّ الضباب يسقط كلَّ ليلةٍ كسقوط المطر الهائج. أنا لم أحمل الدلاء إلى الفناء مذ غادر تاركًا بين يديَّ طفلةً لم تكمل الشهر، لم أجمع الأمطار لأغسل وجهي في الصباح وأدعك الجسد الضامر، لم أجمع البيض من الدجاجات المزعجة، لم أكنس البيت.
هذه الطفلة مريضةٌ واهنةٌ، والجارة تصرخ كلَّما سمعت بكاءها. وحين جاءت لتنتزعها مني وتقحم حلمتها في فم الطفلة، عاد الهواء إلى البيت، وتنفَّست شجرة التوت في الفناء. كانت طفلةً جائعةً، وقد جاع كلُّ شيءٍ معها.
أصبحت الجارة أُمَّها، وأصبحتُ العجوزَ المريبة التي يهبط الضباب على قلبها كل ليلةً وبعضَ أوقات النهار، فتخرج هائجةً في الشوارع؛ تطعن كرات الأطفال العابثين، تنتزع القات من أفواه الرجال الكسالى، تمزق وجوه النساء المتبرجات. أصبحتُ العجوزَ الخَرِفَة التي تركها زوجها أرملةً في زهرة الشباب، وعقَّها ابنها في أوَّل الشيخوخة، ثم رُمِيَتْ إليها يتيمة لتكفلها؛ لكنَّ اليتيمة تصيح وتركض في الشوارع مع الأولاد الآن؛ تضرب هذا وذاك وتعود دامية الوجه، ويعجز الجسد أن يتحرك صوبها ليدعك وجهها الصغير اللاهث. إنَّها حيَّةٌ بعد أنْ كادت شجرة التوت تموت!
أَخْبِر الطير أنني كلّما اشتقتُ لولدي، أدفن في الفناء خرزةً من مسبحتي وأنتظر أن تُنْبِتَ ابنًا لي؛ إذ عجزتُ عن تذكُّر ما يقال حين تتحرك الخرزات، وأصبح اسم ابني ذِكْرًا أردده في الخلوات. ليته يعود ويلتهم التوت بدلًا من الأولاد الهائجين!
اليتيمة تقفز فرحةً بالذهاب إلى المدرسة، وأترقَّبُ هروبها كإخوتها بالرضاع؛ لكنَّها تظلُّ حتى انتهاء الدوام وتعود هائجةً جذلى بالأحرف الجديدة. أسترق السمع حين تحدِّث إخوتها الهائجين، فأسمع أنين خجلهم من شغفها، ثم خضوعهم لكشط عارهم.
أَخْبِر الطير الخافق أنَّ اليتيمة علَّمت الأولاد كيف يصبحون رجالًا، ثم مضتْ طائرةً إلى عشٍ في شجرة التوت، ولم تعد. قفزتْ حين حصل أخوها على معدلٍ أدخله كليَّة الطب؛ أتت إليَّ ضاحكةً، ينمو جناحاها، وتقفز قداماها، وتحلِّق. قالتْ: «لقد فاز، يا جدَّتي!»، فخفق قلبي حين سمعتُها، لكنَّ الذراعين الضامرين خذلا قلبي المتلهف للعناق.
تنفَّستُ ضَحْكَتَها ورمشتُ، فهربتْ طائرةً، عائدةً إلى إخوتها الرائعين. اختفى صراخهم من الشوارع، اختفت الشجارات، نبتت الأشجار. لم يتسلل الأكبر إلى شجرة التوت مذ أصبح طبيبًا. وظلَّ الثلاثة الآخرون يقفزون ليسرقوا التوت في العصرية، حين تكون اليتيمة نائمةً من تعب الدراسة. ثم أصبحا اثنين، يتسلَّقان السور هامسين، وباب البيت مفتوح؛ لكنَّ النفس دائمًا تهوى المغامرة. أحدِّق في ظلِّهما القافزين، ويبتسم قلبي، ويعجز الوجه عن الحراك.
أَخْبِر الطير، ذلك الطير الصغير المزقزق أنَّ وجهي أصبح حجرًا، وصار يتفتت كلما تناقص عدد الأبناء المتسللين إلى شجرة التوت. لم يعد ثمة من يزور شجرة التوت، والجارة لا تلتفت نحو شيء سوى تنظيفي وإطعامي. يتلوّى في لساني سؤال: «أين يتيمتي؟»، لكنَّ اللسان ثقيلٌ ثقيل!
اليتيمة لم تأتْ منذ دهر، والحيُّ صامتٌ، لا يُسْمَع فيه صراخ اليتيمة الجذلى، ولا خجل إخوتها الأطباء. جميعهم تلاشوا في أنين الضباب الثقيل. وحين حلَّقت اليتيمة، بجناحيها الصغيرين، نحو شجرة التوت، وحطَّت في عشِّها المنشود؛ جاء الرجال باكين، وظلُّوا يجيئون حتى انقشع الضباب من البيت، وقبَّلتُ الطائر الصغير الخافق. نَفَسِي ضحلٌ وجناحي صغيران، لكنَّ أوراق شجرة التوت دافئةٌ.
الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…
الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…
الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…
صَلَاةُ الْعَابِرِينَ هاجر منصور سراج 16 أكتوبر، 2025 أسكب الضوء المزيف في جيوب الفجر سوف…
النَّجَّارُ الذَّكِيُّ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…
الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…