أدب عربي

شَجَرتي تُثمِرُ أقمارًا

شَجَرتي تُثمِرُ أقمارًا

هاجر منصور سراج 

28 أغسطس،  2025


تسللتُ خفيةً في ظلمة الليل كي أزرع نبتةً حرَّمتها والدتي. كانت ليلةً ظلماء، فلم يلمحني الحرَّاس الرقباء، ولم تشعر بي الأشباح الواهنة. انسللتُ بين بقايا الأشجار الضامرة، فتلمَّستني حشرجاتها الواهنة. لم تهمس أيُّ منها بوصيَّةٍ أخيرة، ولم تطلق حفيفًا أخيرًا لأحمله إلى الغيوم القاتمة. كانتْ صامتةً خاضعةً لمصيرها المحتوم، ولم تفكِّر لحظةً في الانتفاض.

كانت الأرض قبل عامين غابةً، ثم جاءتْ والدتي ودكَّتْ كُلَّ شيءٍ، ولم يعد حول القلعة الحصينة غير الجلاميد الجافَّة الصارمة. أُخرِجُ رأسي لأتنفَّسَ النسيم العذب، فلا ألاقي غير الريح محمَّلةً برائحة البقايا التي تملأ الأرض. لم أشكُ يومًا؛ فالشكوى تودي بالمرء إلى المقبرة.

قال الحارس الضئيل إنَّ والدتي تسمع الهمس وتميِّز الأنين، فظللتُ أئن كُلَّ ليلةٍ حتَّى خارتْ قواها السمعية وانقضَّت عليَّ تنهشني. هي الآن واثقةٌ من صمتي، فجسدي مرميٌّ في قبرٍ لم يحفر. غدًا صباحًا ستأتي الطيور المهاجرة لتلتقطني وتبعثرني في الأفلاك. وحين أسمعُ البوق، ستتطاير أشلائي من أطراف الأرض لتجتمع.

والدتي الآن لا تسمعني، ولا تدري أنيّ أسير منتعلًا خفّيها، فأمنع بهما تواطئ الأرض ضد الغرباء والشاردين. تشي الأرض بكل من يخطو عليها؛ تُحرِّكُ ذرَّات ترابها رويدًا رويدًا حتَّى تتصاعد، ثم تقذفها إلى الهواء، فتلتقطها الريح وتسافر بها إلى والدتي. وقبل أن يرمش الشارد، تكون والدتي قد حضرت بساطورها.

أنا لا أعرف تاريخ ولادتي، ولا أشعرُ أني تكوَّنتُ في رحمها. هذا الجسد لا يتذكَّر رحمًا بشريًا أو حيوانيًا. لستُ أدري من أينَ جئتُ، لكنني أشعر بالتراب عبقًا شهيًّا في حنجرتي، كأنَّما ولدتُ من حُبِّ زهرةٍ برِّيَّة.

تنظُرُ والدتي إلى عيني، لا تُحرِّك عضلةً في وجهها، ولا ترمش. تقف أمامي فقط مُجرَّدةً من كُلِّ ضعفٍ إنساني. تحاول أن تسكب في قلبي أغلالها الثقيلة، وتنجح دائمًا؛ لكنَّها لا تعلم أنني أتحرر ما إن تغادر. تعود الأغلال إلى هيئتها المصهورة وتنسكبُ على بلاط حجرتي القديمة.

حجرتي قديمةٌ دافئةٌ، ويكفيني الدفء حين يتأوَّه سكَّان القلعة بردًا. يحسدني الجميع؛ يقولون إنَّ الشمس تقيم في حجرتي ليلًا، وإنَّها تترك لي بعضًا من وهجها الدافئ قبل تغادر لرحلتها اليومية النهارية. لا أنكر من أقوالهم شيئًا؛ لأن شيئًا ما مضيئًا يزورني ويقذف إليَّ بشظايا دافئة. رُبَّما هي الشمس حقًّا! لم أعرف يومًا سبب حنوّها عليَّ، لكنّي أبتسم دائمًا حين تزورني؛ أطبق جفني وأبتسم، فلا ألمح شيئًا سوى ما يتركه حضورها البهي المنير على جفني.

المقبرة ليستْ بعيدةً عن القلعة، بل يقال إنَّ القلعة نبتتْ من القبور القديمة. لا يجرؤ أحدٌ على الحديث، لكنَّ أعينهم تتكلم كلامًا صاخبًا. تعلَّم الناس حديث العيون حين خُيِّطتْ أفواههم تحت عُذر الأمان. تراهم يسيرون صامتين، يلاحقهم الحرَّاس رقباءَ على أفواههم الملتئمة.

لا أحد يراقبني، فوالدتي كفيلةٌ بي.

لكنَّها الآن نائمةٌ خاضعةٌ لوحشة القمر. حين يظهر، تتظاهر بالسلم. تزيل الخيوط السَّامَّة عن الأفواه وتبتسم للجميع، لكنَّ الناس نسوا كيف يتكلَّمون ومن أين تنبعث الحروف. لا يزور القمر القلعة، فهي خفيَّةٌ بين الجبال الثقيلة الخانقة. يَمدُّ أشعّته الفضّية، لكنَّها ترتد عن القلعة مثلما ترتد أشعّة الشمس. لا شيءَ هنا سوى الظلمة!

تفلح الشمس في الوصول إلى حجرتي، لكنَّ القمر لم يصلني قط. لستُ أبحث عن شيءٍ الليلة سوى زيارةٍ قمريةٍ وزراعة نبتةٍ حملتها الرياح إليَّ. لم أكن أدري كيف أتتْ وتسللتْ بين شقوق البلاط ونبتت. لم ألمح شيئًا حتَّى سمعتُ همسها ذات ليلةٍ. نادتني باسمي الذي لم أسمعه، لكنَّي دوَّنته على المرآة ورددته كُلَّ صباح.

رنوت إليها مندهشًا، جسدي مستلقٍ على السرير وبصري خاضعٌ لخضرتها وانعتاقها. سألتني صاخبةً: «أتعرف القمر؟». كان قولًا غريبًا ولم أفهم الكلمة.

«ما القمر؟».

تمايلت ساخرةً: «شيءٌ مضيء يشبه الشمس».

«أنا لم أرَ الشمس».

«ترى الشظايا؟».

«أجل!».

«تصوَّر شيئًا أكبر، أكبر، أكبر!».

«أكبر من الشمس؟».

«لا! أنتَ لا تفهم! أنتَ لا تدري! أنتَ أعمى!».

لم أجرؤ على إخبارها أنَّ صوتها الصاخب ملأ القلعة ضجيجًا؛ إذ استلذَّ خافقي ضجيجها، فضممتُ كفّي صاخبًا وجعلتُ أصفِّق. كان فعلًا جديدًا غريبًا، وكان دوّيه يترك شقوقًا على الجدران، فأقبلتْ والدتي. سمعتُ أنفاسها اللافحة، فوثبتُ إلى النبتة أقتلعها وأغمسها في دمي، ثم أقذفها من النافذة.

جسدي في قبرٍ لم يُحفر عبرةً لأهل القلعة الخاضعين، وروحي تجوب بحثًا عن النبتة، ترشدني رائحة الدم ومسك الحُلم. رأيتها عالقةً في عُشّ طائرٍ اعتاد الهجرة. كان العُشُّ خاليًا، ولم يكن في العش أثر بيض. لم أكن هنا أيضًا، فلم تلتقطني والدتي من عُشٍّ، ولم تسلبني من جُحر، ولم تحتوني في رَحِم.

ضممتُ النبتة اللاهثة؛ كانتْ حشرجتها خافتةً وخضرتها باهتة. مضيتُ سائرًا بخُفي والدتي حتَّى رأيتُ تربةً عطرةً، وقد أضحت القلعة أبعد وأبعد. انحنيتُ ودفنتُ النبتة وجعلتُ أرويها ببقايا دموعي الشبحية، فأنَّت، واستوت قامتها، واخضرّ عودها. وحينَ اقتحم شيءٌ مضيءٌ سماء الغيوم الثقيلة، تمددتْ قامتها ونبتتْ أطرافها وأثمرتْ أقمارًا. رفعتُ كفي لألمس الثمار اليانعة، فذكَّرني ملمسها بمولدي قبل أن تقتطفني والدتي وتهرب إلى الظلمة، وتبقيني أسير الجهل.

Ibnulyemen Arabic

Recent Posts

الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ

الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

3 months ago

الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ

الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…

3 months ago

الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ

الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…

3 months ago

صَلَاةُ الْعَابِرِينَ

صَلَاةُ الْعَابِرِينَ هاجر منصور سراج  16 أكتوبر، 2025 أسكب الضوء المزيف في جيوب الفجر سوف…

3 months ago

النَّجَّارُ الذَّكِيُّ

النَّجَّارُ الذَّكِيُّ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

3 months ago

الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ

الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

4 months ago