حُريّة

هاجر منصور سراج 

5 يونيو،  2025


قبل أن يختفي، سألها: «أتعرفين معنى الحرية؟». كان متعاليًا، ولاحتْ في وجهه ملامح التكذيب قبل أن تنطق بشيء. قالتْ ساخطةً: «أنا أذهب وأجيء بمفردي، أملك هاتفًا خاصًّا، وحاسوبًا مستقلًا، وأنفق راتبي في حاجاتي فقط. أجل! أنا حُرَّة»، فضحك.

أول مرَّةٍ، لم تعرف اسمه، ولم تعرف أيَّ شيءٍ جاء يفعله في المعهد؛ إذ لم يستفسر عن أوقات الدراسة أو رسومها. كان قد دخل فقط ومضى نحوها شاردًا. رفعتْ رأسها إليه متعجبةً، لكنه كان يحدِّق في لوحة شعار المعهد خلفها. أنفق وقتًا، ولم تفلح في نزعه من شروده بترديد: «أهلًا! بمَ أخدمكَ؟ عفوًا؟ يا أستاذ!».

ظلَّ شاردًا. وحين أفاق أخيرًا، كانتْ قد نسيتْ وجوده. كانت تدري عن الحمقى من صنفه؛ لكنها لم تقابل أحدًا حتى جاء هو. كان نحيلًا مصفرًّا، شعره الأدهم كثيفٌ هائجٌ في كل الاتجاهات، يغطي رقبته، ويتدلى على جبينه دهنيًا ثقيلًا. ظلَّ فاغر الفاه، وبين الفينة والأخرى، كانت تفاحة آدم تعلو وتهبط، ويرتفع صوت البلع في المكتب؛ لكنها أفلحتْ في تجاهله.

قال: «هل أنتِ حُرَّة؟». رفعتْ وجهها عن الحاسوب إليه، فألفته يحدِّق فيها، فقالتْ: «حقًّا؟! يبدو أنَّكَ لا تزال تعيش في العصر الجاهلي! غادِر!».

يومها حرَّك رأسه مستنكرًا سوء إجابتها، ثم وضَّحَ: «أعني هل أنتِ حُرَّةٌ؟».

تساءلتْ إن كان يسأل عن حالتها الاجتماعية، فرفعتْ كفَّها أمام وجهه قائلةً: «لا! أنا مخطوبة. غادِر!»، ثم عادتْ تتابع عملها؛ لكنه عاد يردد لحوحًا لجوجًا: «لا، لا! أنتِ لا تفهمين! هل أنتِ حُرَّة؟».

تلك اللحظة استشاطتْ غيظًا. اتصلتْ بمحمود الحارس وطلبتْ منه أن يأتي لجرّ الأحمق من أمام مكتبها. وحين جاء محمود، أمسك ذراع الأحمق وطلب منه مهذبًا حازمًا أن يغادر، فتحرك الأحمق صامتًا، رغم أنّهما توقَّعا معارضةً. سمعتْه يسأل محمودًا: «هل أنتَ حُرّ؟»؛ لكنَّها تجاهلته وتابعتْ عملها.

بعد شهرٍ، عاد مجددًا، لكنه كان مهندمًا، وكان شعره قصيرًا مرجَّلًا، وكان قد اكتسب بعض الوزن، فلم تعرفه أوَّل الأمر لولا أن سألها السؤال عينه: «يا أستاذة؟ هل أنتِ حُرَّة؟». لم تكن منتبهةً لوقوفه أمام مكتبها، فأذهلها حين نطق ذلك السؤال بنبرة رصينةٍ بطيئة. ظنَّته أوَّل الأمر شخصًا آخر، وظنَّتْ أنَّه «ترند» أحمق يقوم به كل رجلٍ ملعونٍ في الأرض؛ فهمّتْ بالصراخ، لكنها توقَّفتْ لمَّا رأتْ تفاحة آدم ذاتها تتحرك صعودًا ونزولًا، وصوت البلع مكتوم تحت شفتيه المطبقتين.

قالتْ: «أنتَ مرَّةً أخرى؟ أُبشِّركَ، لن أنفصل عن خطيبي، وإن ظللتَ تُلّح عامًا كاملًا. ارحل!».

قال: «أنا لا أريدكِ أن تنفصلي عن خطيبكِ! أنا أسألكِ سؤالًا واضحًا، فلماذا لا تجيبين بنعم أو لا؟».

كان يرتدي بذلةً زرقاء، ويعلّق بطاقة المدراء حول عنقه. كان مختلفًا عن مظهر المشرَّد السابق، فلم تستطع أن تصرخ به، فابتسمتْ أكثر ابتساماتها صبرًا، وأجابتْ: «نعم». ظلَّ يحدِّق صامتًا كأنَّها لم تقل شيئًا، فقالتْ: «أجبتُكَ! أيمكنك أن تغادر الآن؟».

قال بذات النبرة الرصينة: «هذه ليست إجابةً».

قالتْ متمسكةً بأهداب الصبر: «بلى! ألم تقل أن أجيب بنعم أو لا».

قال: «لكن هذا السؤال لا يجاب عنه بإحدى ذين الكلمتين فحسب».

همَّتْ بالصراخ في وجهه، ولتذهب وظيفتها إلى الجحيم؛ لكن أحد الأساتذة ظهر هاتفًا باسمه: «أستاذ آدم! متى عدتَ من أمريكا؟».

التفتَ نحوه شبه التفاتة، وابتسم شبه ابتسامة، ثم أخذا يتكلمان بالإنجليزية، وهما يتخذان الطريق نحو الطابق العلوي، فتنفستِ الصعداء. وحين خرج قبيل موعد مغادرتها، اقترب منها وسألها إن كانتْ تعرف معنى الحرية؛ لأنَّه جاب الأرض ولم يعثر عليها. كان ذلك آخر لقاء، فبعد أسبوعٍ قدَّمت استقالتها لترحل إلى عُشّ الزوجية مصحوبةً بشاعرٍ كثير الغزل بها.

ألقى قصيدةً في زفافها، وتغزَّل بكل حرفٍ في اسمها، وبكل رمشةٍ مذ ولادتها، فبجَّلته. وبعد عامين، كانت قد نسيتْ كل شيءٍ عن الأستاذ آدم ذي التفاحة البارزة في عنقه، والتي لن يبلعها مهما حاول. وبينا كانت تصطفي قصائد زوجها لديوانه الجديد، عثرت على اسمٍ غير اسمها. صارحته بالأمر، فانتهى الأمر باتهامها بالتقصير في أمور الحب، والجمال، والتدبير. ثم دون أن تنبس بحرفٍ في الأمر، قَذفَ الكلمات الثلاث السحرية عليها، فاصطدمتْ بها مخلِّفةً كدماتٍ وحفرًا، ثم ذابتْ في جسمها وانسكبتْ في دمها.

قدَّمت للعمل قبل أن تدخل المرأة الأخرى عُشّ الزوجية. وحينما ظهر مرَّةً أخرى، وقف بثوبٍ ناصع البياض، وعلى رأسه غترة حمراء، وحول وسطه التفت جنبيةٌ غالية. كان وجهه أبيض، وكان شعره مخفيًا أسفل غترته، وكانت رائحة عطره أوَّل شيء شعرتْ به. كانتْ منكبَّةً على تدقيق بعض الأوراق حين اقتحمت الرائحة الأخّاذةُ دماغها، فرفعتْ رأسها مبهورةً ونظرتْ إليه. لم تعرفه لولا تفاحته الناتئة في عنقه ولولا سؤاله العقيم: «هل أنتِ حرَّةٌ الآن؟».

سألته: «هل تتقصَّدني أنا من بين كل نساء الأرض؟».

ابتسم ابتسامةً اضطرتها إلى نكس رأسها حتى لا تراها؛ إذ لم تظن يومًا أنَّها ستصف ابتسامة رجل بالساحرة. كان السحر مقصورًا على أوصاف النساء، وبدا أنَّ الرجال اقتصروا على أوصاف القوة والشهامة، أو العنف والنذالة.

قال: «أنتِ لا تفهمين! أنا أسألكِ… هل أنتِ حُرَّةٌ؟».

أضحت رائحة عطره ثقيلةً مثيرةً للغثيان، فأطبقت كفها على فمها وهرعت إلى الحمام. وحين عادت، قال: «أنتِ لستِ حرَّة أبدًا»، ثم مضى. انتفخ بطنها، وحثها طليقها الشاعر على الإجهاض، ورددت النساء مساوئ تربية طفلٍ وحدها! ظلَّت تذهب إلى عملها شاحبةً خاوية القلب، وأخذ سؤال الحرية يتردد في ذهنها مصحوبًا بغثيان الصباح، وبكل لقمةٍ مالحة.

كان الجنين يتكون في جسدها؛ يمد جذوره ويحيط حوضها، ثم يمتد إلى صدرها، ثم إلى رأسها، ويطبق على عينيها. كانت أطرافه شائكة مؤلمة، وكانت الظلمة تزحف كل يوم، ولم تعد ترى تفاحة آدم تعلو وتهبط، ولم تعد ترى الحريَّة.

بعد الولادة، جاء في قميصٍ بالٍ، وسروالٍ عريض، وحقيبةٍ قديمة. كان شعره محلوقًا تمامًا، وكان يشبه الجنين الذي خرج منها في سعة عينيه ودوران حدقتيه. قال بنبرةٍ جهلتْها: «أنتِ! لو سمحتِ!».

رفعتْ بصرها إليه، ومرَّةً أخرى لم تعرفه. حملق في الأضواء التي علَّقتها على سبيل الزينة، ورمش كما رمشت الأضواء حتى أصابها الغضب، فصاحتْ. أنزل بصره إليها، ثم قال شاردًا مسلوب اللب: «كنتُ مارًّا من هنا. أردتُ فقط أن أسألكِ».

قالتْ نافذة الصبر، والحليب يغرق مقدمة عباءتها: «ماذا تريد؟».

كان فاغر الفاه، وعادت عيناه تومضان مع الأضواء. ابتلع ريقه، فتحركت تفاحة آدم حركةً سريعةً، ثم اختفت. رأتها تختفي أمامها إلى الأسفل، وصدر عنها صوتٌ غريب… كأنما كانت محض لقمةٍ عسيرة البلع ثُمَّ بُلعت! رفعتْ بصرها إليه منتظرةً سؤاله، لكنَّه لم يكن هناك. كانت تنظر إلى الجدار أمامها، ولم يكن ثمة شيء سوى رائحة الحرية التي قيل إنَّه ركض خلفها ولم يجدها.

Ibnulyemen Arabic

Recent Posts

الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ

الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

3 months ago

الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ

الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…

3 months ago

الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ

الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…

3 months ago

صَلَاةُ الْعَابِرِينَ

صَلَاةُ الْعَابِرِينَ هاجر منصور سراج  16 أكتوبر، 2025 أسكب الضوء المزيف في جيوب الفجر سوف…

3 months ago

النَّجَّارُ الذَّكِيُّ

النَّجَّارُ الذَّكِيُّ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

3 months ago

الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ

الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

4 months ago