أدب عربي

الأدب بحسب نظرية الخلق

الأدب بحسب نظرية الخلق

هاجر منصور سراج

17 يوليو، 2025


أوجدت ثورة الذاتية والفردية مسارًا مختلفًا للأدب، فجعلته خاضعًا لمشاعر الأدباء وأفكارهم الخاصة، وخلقت لهم جوًّا حالمًا نزعهم من جمود قواعد المنهج الكلاسيكي مستندين في هذا إلى نظرية التعبير القائمة على أسس فلسفية وأدبية نظَّرت لرؤية العالم الفردية. وإذا كان الأدب الرومانسي في بداياته تعبيرًا حقًّا عن الاتجاهات الثورية والوطنية، وآمال الشعب في الحرية، ورؤى السعادة المنشودة؛ فإنه قد واجه تحديًّا لاحقًا لإثبات قدرته النفعية على مستوى الجمالية وعلى مستوى المجتمع؛ إذ أصبح مقعرًا يستخدم الأساليب الركيكة والألفاظ العامية، كما أوغل في الذاتية والاحتجاج على المجتمع دون مبالاة بما يجري حوله. وهذا الغوص في الذاتية والتهاون في الصياغة الفنية دفع الكثيرين إلى التساؤل عن وظيفة الأدب، فهو لم يغيِّر المجتمع إلَّا بدفع الناس إلى التململ والتكاسل وإرضاء النزوات والرغبات كرد فعل على استعباد الرأسمالية للإنسان من خلال الأجر. وهو لم يؤدِ وظيفةً فنيَّةً جماليةً لتخلصه من الرقي الأدبي والمضامين العالية واعتماده القصص الشعبية والأساليب السوقية التي اعتبرها الرومانسيون وسيلةً لإثارة الشعوب ضد ظروف المعيشة المنحطة. (فيشر، 1998؛ الأصفر، 1999)

وإذ ضاق الأدباء والمجتمع على حدٍّ سواء من هذه الذاتية المفرطة، سعى الأدباء إلى اختطاط مسارٍ جديدٍ في الأدب قصدوا فيه إلى الارتقاء بمستوى الأدب وتحقيق وظيفةٍ جماليةٍ له من خلال العناية بالأسلوب أكثر من المضمون باعتبار اللغة أداة الفن الأدبي.

ظروف النشأة

نشأت الرأسمالية في العصر الذي سادت فيه الرومانسية؛ بيد أنَّ الرومانسية لم تتقبلها بسبب استعبادها للإنسان وتسليعها للأدب، وانطلاقًا من هذا هاجم الرومانسيون الرأسمالية وحاولوا جهدهم تخليص الأدب من سيطرتها، رغم أنَّ الرأسمالية، في حقيقة الأمر، لم تكن تكترث للأدب إلَّا باعتباره وسيلةً لتجميل الحياة، وهي لم تعتبره سلعةً تجاريةً إلَّا حين لهث الأوروبيون وراء الأحلام التي نشرتها الروايات الرومانسية، ومن هذا المنحدر تدحرج الأدب الرومانسي إلى اللاقيمة واللامعنى. (فيشر، 1998)

وبعد أنْ انقضت مرحلة صخب الرأسمالية التي صاحبت ظهورها، ولدت حركة (الفن للفن) صيحةً في وجه الرأسمالية المستغلِّة، فنادت بتجريد الأدب من الغائية والبساطة. وقد جاء تجريدها من الغائية ردًّا على الرومانسية المفرطة في الذاتية التي هدفت إلى إثارة مشاعر المتلقي، وردًّا على الحركة الواقعية التي تزامن ظهورها مع حركة (الفن للفن)، والتي هدفت إلى كشف عيوب المجتمع ونقد سلبياته. وجاء تجريدها من البساطة ردًّا على الرومانسية، فقال أصحاب هذه الحركة إنَّ جمالية الفن تنبع من رقيه. وشعار هذه الحركة هو في حقيقته «محاولة وهمية للإفلات الفردي من الدنيا البرجوازية الرأسمالية، وهو في نفس الوقت تأكيد للمبدأ السائد في هذه الدنيا: مبدأ (الإنتاج للإنتاج)» (فيشر، 1998، ص98).

ورد الفعل الذي قام به الأدباء في مواجهة الرومانسية والرأسمالية لم يستند إلَّا إلى الفلسفة المثالية نفسها التي جاء بها كانط وهيغل التي قامت نظرية التعبير على أساس فلسفتهما في الجمال، فجاءت نظرية الخلق ذات قربى من نظرية التعبير مع اختلاف في تفسير الآراء الفلسفية. والمقصود هنا أنَّ كلا النظريتين قامتا على الجانب المثالي المتأثر بالدين والتصوف المؤكد على فكرة الفردية؛ بيد أنَّ أصحاب الاتجاه الجديد المعارض للرومانسية استهدفوا عصرًا غير العصر الذي عاشوا فيه؛ فتطلَّعوا إلى العصور السابقة وأبرزوا إيجابيات الإقطاعية التي ثاروا عليها سابقًا، ومجَّدوا عصر الآلهة والعصور القديمة والديانات الوضعية. وكان أهم ما استهدفوه في اتجاههم هو مستوى اللغة والإيقاع، فأكَّدوا على ضرورة كتابة قصائد ذات موسيقا عالية، وإيقاع متزن، ولغة عاليةٍ راقية. (هلال، 1997؛ كولنجوود، 2001؛ مونرو، 2014)

مصطلح النظرية

ظهرت النظرية التي قام عليها أصحاب الاتجاه الجديد تحت أكثر من مصطلح، منها: الفن للفن، الخلق، الإبداع، التكنية. والسبب وراء هذه المسميات المختلفة راجع إلى تركيزهم على سمةٍ معيَّنةٍ في المسار الجديد، فأصحاب مصطلح (الفن للفن) يركزون على أنَّ الفن لا يملك وظيفةً نفعيةً، بل وظيفته تكمن في جماليته وفنيته فحسب. وأصحاب مصطلح الإبداع يركزون على حداثة الاتجاه، ويرى بعضهم أنَّ الرومانسية والاتجاهات الأدبية التي جاءت بعدها إنما هي وليدة نظرية واحدة، نظرية الإبداع. وأصحاب مصطلح الخلق يركِّزون على ماهية الأدب وفكرة الخلق الفني الذي يقصد إليه الأديب. وأصحاب مصطلح التكنية يشيرون إلى التقنيات التي يمارسها المسار الأدبي الجديد بوصفه فنًّا رفيعًا. (الماضي، 1993؛ فيشر، 1998؛ كولنجوود، 2001؛ مونرو، 2014)

وسأتناول هنا مصطلحات (الفن للفن، الخلق، التكنية) بالتفصيل لتوضيح بعض أهم الأركان التي قصدها أصحاب هذه النظرية في اختطاط مسارهم الجديد في الأدب.

(أ) الفن للفن

فُسِّر هذا الشعار أكثر من تفسير؛ فثمة من يرى أنَّه يشير إلى حق الفنان في اتخاذ أسلوبه الخاص في معالجة قضيةٍ ما دون استهداف هدفٍ خارجي ديني، أو أخلاقي، أو اجتماعي؛ فالفنان حُرٌّ في أهدافه وأساليبه. وثمة من يرى أنَّ هذا الشعار إنما يُقْصَد به فرض الهدف الجمالي على المتلقي؛ فهو هنا متمتع بالجمال نفسه دون النظر إلى القيم والقضايا المتضمِّنة، بل لا يعنيه منها شيء. وهذا التفسير الأخير حرَّر الفنون من ربقة الوظيفة وأطلقها إلى التطور، كما وسَّع المذاهب النقدية التي عُنِيَتْ بعد هذا الشعار بالشكل الفني دون عنايةٍ كبيرةٍ بالمضامين. (مونرو، 2014؛ إسماعيل، 1974)

وثمة من تناول هذا الشعار بالنقد لتضمنه معنى سلبيًا في تجريده الأدب من النفع والغائية وعدم اهتمام الأديب بما حوله أثناء إبداعه، وهو ما دفع الاتجاه الواقعي إلى القول بأنَّ الجميل يولد من النافع. ورغم هذا يظلُّ الفن حاملًا مضامين اجتماعية، ودينية، وسياسية، واقتصادية، وأخلاقية وغير هذا دون إرادة الأديب وعنايته؛ إذ لا يمكن أنْ يتجرَّد الأدب من المضامين المتعلقة بالبشر وأفكارهم ومشاعرهم سواء تناول الأديب ذلك على ألسنة الآلهة، أو البشر، أو الحيوانات وسواء تناوله في سياق الزمن الماضي، أو الحاضر، أو زمنٍ خيالي. (مونرو، 2014)

ونظرية الفن للفن بحسب التعريف المعجمي «مذهبٌ فني لا يُعنى بغير الفن، ولا ينظر إلى الجمال إلَّا بمنظار الإحساس الجمالي، منزهًا عن أي غاية أخرى» (التونجي، 1999، ص692). وأدباء هذا الاتجاه، في سعيهم إلى تجريد الأدب من الغائية، سعوا إلى التخلُّص من الدين والأخلاق والمشاعر والعواطف، وقد تمثَّل هذا بعودتهم إلى عصور الآلهة اليونانية القديمة وإلى اعتناق بعضهم البوذية. (الأصفر، 1999)

(ب) نظرية الخلق

جاء في لسان العرب: خلق الشيء إذا ابتدعه على مثال لم يُسبق إليه. وهذه الكلمة ترتبط بالإله في الديانات كلِّها؛ لأنه يبتدئ كل شيء دون مثال سابق. ومفردة الخلق هنا تشير إلى إرادة الفنان في الخلق وحضور وعيه واختياره، وإلى ابتداعه شيئًا خاصًا لم يسبق إليه أحد. وهذا الخلق الفني لا يتحقق إلَّا بحضور انفعالات خاصة تفرض على الأديب سبلًا جديدةً في التعبير. (كولنجوود، 2001)

وأصحاب هذا المصطلح ينظرون إلى الأدب نظرتهم إلى كائنٍ لغويٍّ مخلوقٍ من ذات الفنان. واستخدامهم لفظة (الخلق) يراد بها التأكيد على فكرة سيطرة الأديب على اللغة وإضفاء روحه الخاصة لخلق كائنٍ أدبي غني يؤثر في المتلقي ويثير عنده الإحساس الجمالي. فالأديب في نظرهم خالق استخدم المواد الخام الخالية من أيِّ قيمة جماليةٍ وأخرج إلى الوجود كائنًا نشأ من مزيج اللغة والتجربة الشعورية الخاصة. أمَّا مكان الخلق، فعقل الفنان الذي يُخْضِعُ المواد الخام من اللغة والمواضيع العادية إلى التفكير الجاد فيُخْرِج العملَ الفني في شكلٍ مختلفٍ تمامًا عن الموضوع الذي تناوله الفنان. ومصطلح (التفكير الجاد) هنا يقصد به التفكيك والتفصيل ومزج الخيال لخلق العمل الفني، وهو ما أشار إليه البعض بمصطلح (التكنيك). ومصطلح (نظرية الخلق) يركِّز على ركني المصدر والماهية؛ فيرى أنَّ مصدر الأدب هو قدرة الأديب الخاصة المكوَّنة من قدرته اللغوية والفنية. وماهية الأدب خلقٌ حرٌّ خالصٌ. (الماضي، 1993)

(ج) نظرية التكنية

يؤكد هذا المصطلح على قضية التقنية في الأدب. وقضية التقنية في الفن ليستْ محصورةً عند أدباء المسار الجديد؛ بل قد تناولها القدامى في معرض حديثهم عن الأدب، وأبرزهم أرسطو في كتابه (فن الشعر)، كما ليستْ مقصورةً على الأدب؛ إذ هي الطريقة التي يتبعها الناس في مختلف أمور حياتهم، لكن بعض النقاد يرون عدم انطباقها على الأدب بسبب عدم تحقق الصنعة القائمة على التمايز بين الوسيلة والغاية. (كولنجوود، 2001)

أمَّا أصحاب هذا المصطلح فيرون أنَّ الفنان يتمتع بنوعٍ من المهارة يندرج تحت (التكنية) التي تساعده في خلق فنٍّ خاصٍ خلقًا فريدًا. و(التكنية) هذه إنما هي نتاج خبرته الشخصية ومشاركته في تجارب الآخرين. ويقصد بالخبرة الشخصية مزيج اللغة، والثقافة، والخيال التي إذا افتقر إليها الأديب ضَعُفت قدرته (التكنية) وعجزت موهبته عن تحسين أدبه. وشرط انطباق هذا المصطلح هو حالة الترتيب والتنظيم قبل الشروع في خلق العمل الفني، أمَّا الأعمال الفنية الارتجالية، فتفتقر إلى هذا النوع من التقنية. (كولنجوود، 2001)

من هذه المصطلحات الثلاثة نستنبط أنَّ نظرية الخلق جعلت مصدر الأدب هو قدرة الأديب، وماهيته فن حر خالص، ووظيفته جماليةٌ خالصةٌ قد تؤدي إلى المتعة والتسلية. (الماضي، 1993)

الأسس الفلسفية للنظرية

قامت هذه النظرية على الأسس النظرية نفسها التي قامت عليها نظرية التعبير، فاعتمدت الفلسفة الجمالية التي قال بها كانط وهيغل، وأخذت منها ما يناسب توجهها، فأخذت من فلسفة كانط فصله بين الغاية والوسيلة، وجعله الجمال مقصورًا على الشكل المجرَّد من كل غاية ومضمون، وفصله الخير عن الجمال، وقصره الحكم الجمالي على الذوق دون المنطق أو الغاية. ومن فلسفة هيغل الجمالية أخذت تأكيده على أنَّ مضمون الفن إنما هو فكرة الجمال المستقلة. (الماضي، 1993)

ويشيد أصحاب هذه النظرية بأقوال كانط في الفصل بين الجمال والغاية الذي ضرب له مثلًا بالكائنات في الطبيعة والتي نراها جميلةً ثم نعجز عن تفسير سبب شعورنا بجمالها تفسيرًا علميًا؛ فغاية الأشياء لا تجعلها جميلةً. وقد رأى أدباء هذه النظرية في قصر كانط الحكم الجمالي على الوجدان والذوق وسيلةً لتمجيد الإيقاع والنغم، ثم تمجيد الإيحاء الذي يقوم به الأدب للتأثير على المتلقي؛ فالوجدان، عند أصحاب هذه النظرية، ليس المشاعر الصريحة الفوَّارة في النص الأدبي، وليس ما يُثار عند المتلقي من مشاعر؛ بل هو انفعال المتلقي أثناء تلقيه النص، وهو ما عبَّروا عنه لاحقًا بالإيحاء. (عويضة، 1993؛ جراهام، 2013)

ويشيد أصحاب هذه النظرية بأقوال هيغل المتعلقة بتحديد الجميل في الطبيعة وفي العمل الفني؛ فهيغل يرى أنَّ الجميل والقبيح في الطبيعة أُنتجا دون مراعاة التأثير الجمالي، فإذا تناول العمل الأدبي شيئًا طبيعيًا قبيحً، لا يحكم عليه بالقبح لمجرد تضمنه موضوعًا قبيحًا؛ لأنَّ «العمل الفني يتمتع بقيمة جمالية منفصلة عن جمال الشيء أو قبحه» (إسماعيل، 1974، ص60)

وقد أخذ أدباء هذه النظرية أفكار الفيلسوف بنديتو كروتشه الذي ميَّز بين الجميل والقبيح، ورأى أن صفة الجميل تنطبق على التعبير الناجح، وصفة القبيح تنطبق على التعبير غير الناجح. كما رأى أنَّ الجمال توحُّد والقبح درجات، فهناك قبيح، وقبيح جدًا، وقريبٌ من الجمال. أمَّا القبح الشنيع فلا يظل قبيحًا؛ لأنَّه لا يعارض جمالًا مطلقًا، فالجمال وحدةٌ مفردة. (إسماعيل، 1974)

وأبرز ما جاء به كروتشه هو قوله بأن الأدب حدس. ويجعل كروتشه مصطلح (الحدس) مقابلًا للتأكيد العقلي، وهو يعرِّف الحدس بأنَّه «الوحدة غير المتميّزة لإدراك الصورة الحقيقية والبسيطة للمحتمل» (نقلًا عن آدمز، 2019، ص140). وفي وظيفة الأدب ينكر كروتشه وجود هدفٍ أخلاقي، أو اجتماعي، أو متعوي، ويرى أنَّ الهدف لا يكمن في العمل الفني، بل الهدف هو العمل الفني نفسه، وهو هدفٌ يبلغ المتلقي دون ريبٍ؛ لأنَّ الفن حدس.

وقد تناول أدباء هذه النظرية هذه الأفكار الفلسفية ووضعوها أساسًا لنظرية الخلق التي ولد منها أكثر من اتجاه أدبي ونقدي سواء في الزمن الذي عُورضت فيها الرومانسية أو لاحقًا عندما نبعت مذاهب أدبية ومناهج نقدية اعتبرها الكثيرون فروعًا عن الرومانسية ووضعوها تحت مصطلح الحداثة وأنكروا وجود نظرية الخلق بسبب قصورها. (تليمة، 1997)

الأسس الأدبية للنظرية

تضمَّنت هذه النظرية مجموعة من الأسس الأدبية التي دارت حول علاقة الأدب بالحياة، والعواطف، والموضوع، واللغة، والوظيفة، والتكنيك. والأدباء الذين وضعوا هذه الآراء النظرية تناولوا الشعر؛ لِأنَّه كان أقدر على تجسيد آرائهم الأدبية في حين اتخذت الرواية، في الزمن نفسه، المنهج الواقعي طريقًا لها.

(أ) شارل بودلير

أكَّد بودلير على أهمية الخيال في الشعر حتَّى رأى أنَّ الخيال إنما يستعمل الشعرَ للتعبير عن حقيقة روحية غامضة من خلال مشاهدات الكون، ويقول: «ليس الكون المرئي كلُّه إلَّا مخزنًا لصورٍ وعلاماتٍ سيعطيها الخيالُ مكانًا وقيمةً نسبيين؛ إنه نوعٌ من العشب الذي ينبغي أن يهضمه الخيال ويحوّله» (آدمز، 2019، 161)، فإيمان بودلير بالخيال وبأهميته في الشعر جعله ينظر إلى العالم الخفي المُمَثَّل في القصيدة. وفي موضوع الشعر، يرى بودلير أنَّ الشعر لا يتخذ الحقيقة موضوعًا، ولا يعنى بالجمال المتَّفق عليه فحسب، وقد أشار إلى هذا في ديوانه (زهور الشر) الذي أشار فيه إلى وجود الجمال في الشر أيضًا. (آدمز، 2019؛ هلال، 1997)

(ب) أ. س. برادلي

يرى برادلي أنَّنا نجد الحقيقة في الحياة، لكننا لا نجد الخيال، ونجد الخيال في الشعر ولا نجد فيه الحقيقة كاملة. وبهذا يرى برادلي أنَّ الحياة والشعر ظاهرتان متوازيتان لا تلتقيان رغم أنَّه ما يلبث أن يعارض رأيه فيقول إنَّ ثمة اتصالًا خفيًّا بين الحياة والشعر. وفي قضية الوظيفة، يتَّفق برادلي مع غيره من أدباء هذه النظرية في أنَّ المنفعة الوحيدة للأدب هي العمل الفني نفسه. (الماضي، 1993)

(ج) تيوفيل جوتييه

يرى جوتييه، مثل غيره، أنَّ وظيفة الأدب هي الجمال، وأن كل ما على الأدب فعله هو أن يكون جميلًا فحسب. ويبالغ جوتييه في تجريد الأدب من المنفعة لدرجة أن يجعل الجمال محصورًا في الأدب غير النافع. ولا يفرِّق جوتييه بين الشكل والمضمون؛ إذ يرى أنَّ كل شكلٍ جميلٍ هو فكرة جميلةٍ، ويرى أنَّ الشكل لا يدل على شيءٍ إن كان مجرَّدًا من المضمون. (هلال، 1997)

(د) ت. إس. إليوت

يرى إليوت أنَّ الشعر هروبٌ من المشاعر والعواطف لا تعبيرٌ عنها، وهو بهذا خلقٌ خاص وحر. وبهذا يؤكد إليوت على استقلال الأدب عن حياة الأديب. وقد أضفى إليوت على الفن صبغةً رياضية عندما جاء بنظريته في المعادل الموضوعي الذي جعله طريقةً للتعبير عن المشاعر والعواطف الخاصة عن طريق وضع معادل موضوعي وملئه بالعواطف الخاصة. وبهذه الفكرة أكَّد إليوت على ضرورة تثقُّف الأديب ورجوعه إلى التراث الإنساني والإفادة منه لوضع المعادل الموضوعي؛ فإذا لم يكن الكاتب مثقَّفًا، عجز عن إيجاد معادل موضوعي. وبالمعادل الموضوعي ينفصل الأديب عن ذاته، ويكون له ذاتان إحداهما تنفعل والأخرى تخلق. وكلما ازداد انفصال الأديب عن ذاته بلغ الأديب درجةً عاليةً في النضج الفني الذي أُطْلِق عليه مصطلح التكنيك. (هلال، 1997؛ الماضي، 1993)

وخلاصة هذه الآراء أنَّ الأدب يتخذ من الواقع مضامينه، بيد أنَّ هذه المضامين غير مهمَّةٍ؛ لأنَّها تتعرض لكثير من التحوير بسبب الخيال الذي يمزجه الأديب بالمضامين حتى يجعلها خلقًا جديدًا منفصلًا عنه. وهذا الانفصال يجعل العمل الأدبي هو المحور الأساسي للدراسات النقدية والهدف الأوحد للأدب، فلا يكون للأديب دخلٌ في أدبه بعد انتاجه؛ لأنَّه لم يسكب فيه عواطفه. وإن عبَّر الأديب عن عواطفه في العمل الأدبي، غيَّر فيها واستخدم معادلًا موضوعيًا يفصله عنها. وبهذا يكون الأدب مخلوقًا فنيًّا خاصًا، وتكون وظيفته جماليةً بحتة، وإن تضمَّنت أهدافًا أخرى لا يمكن أن تتجرَّد منها.

وهؤلاء الأدباء لم يمثِّلوا النظرية في آرائهم، بل مثَّلوا مناهجهم الخاصة التي تغيَّرت وتطوَّرت، وربما غيَّر بعضهم آراءهم واعتنقوا مذهبًا آخر في الأدب. وقد كان هؤلاء رومانسيين أوَّل أمرهم، ثم تحوَّلوا عنها إلى البارناسية أو الرمزية، وتحوَّل البعض عن الاثنتين إلى الواقعية. وآراء هذه النظرية هي آراء المذهب البارناسي الذي نشأ لمعارضة إسفاف الرومانسية، والمذهب الرمزي الذي انشق مؤسسوه عن البارناسية.

البارناسية

أخذت هذه المدرسة اسمها من جبل بارناس في اليونان، وهو الجبل الذي كان مسكن آلهة الشعر بحسب الأساطير الإغريقية. ولم تتخذ هذه المدرسة اسمها إلَّا في عام 1866م بين شهري مارس ويوليو عندما صدرت ثماني عشرة كراسةً أسبوعيةً باسم (البارناس المعاصر) وتضمَّنت قصائد سبعةٍ وثلاثين شاعرًا، منهم: لوكونت دي ليل، بودلير، ثيوفيل غوتييه، بول فرلين، أرتور رامبو، ستيفان مالارميه، وآخرين. وقد نُشِرَتْ هذه الكراسات لاحقًا في مجلَّدٍ خاصٍّ أصبح مرجعًا للمدرسة، ومن ثم أصبح يطلق على شعراء هذا الاتجاه مصطلح البرناسيين. (راغب، 2003؛ مندور، 1949 ؛ الحمداني، 1989)

وقد كان شعراءُ هذه المدرسة رومانسيين أدركوا اسفافها فأنشأوا مدرستهم الخاصة لمعارضتها. وإذ عارضوا اسفاف اللغة والإيقاع، عادوا بالشعر إلى جبل البارناس مترفعين بذلك عن الذات البشرية إلى الذات الكونية، ومتجرِّدين من مشاكل الحياة التافهة؛ فاعتنى شعراء هذه المدرسة بجمال الشكل والإيقاع الموسيقي، وتجرَّدوا من النزعة الذاتية التي سادت عند الرومانسيين. وأبرز شعراء هذه المدرسة هم: لوكونت دي ليل وهيريديا. (الحمداني، 1989؛ الأصفر، 1999)

(أ) لوكونت دي ليل

هو شاعرٌ رومانسي اطلع على تاريخ الإغريق، وسافر إلى جزر الهند الشرقية، فشاهد الطبيعة المختلفة هناك، وتعرَّف على الديانة البوذية، ثم عاد إلى باريس ودرس الشعر القديم. وفي عام 1852م، قام دي ليل بنشر ديوانه (أشعار قديمة) وقدَّمه بمقدمة عُدَّت بيانًا لمدرسة شعرية جديدة. وفي عام 1862م، نشر ديوانه (أشعار متوحشة) وعلى إثره أُعلن زعيمًا للمدرسة البارناسية لتمثله سماتها، رغم أنَّ تيوفيل غوتييه كان الممهد الحقيقي لهذه المدرسة. وفي مقدِّمة (أشعار قديمة) أعلن دي ليل أنَّ البوح بالمشاعر يتضمن غرورًا دنيويًا مجانيًا، إضافةً إلى أنَّ المشاعر ليست سوى جزء من الفعل، والتأمل لا يدرك هذا الجزء من الفعل. وقد شدَّد دي ليل على أهميِّة التأمل بغرض التطهُّر، وعلى أهمية العلم ممزوجًا بالفن بغرض كشف المثالي الكامن في الطبيعة. (الأصفر، 1999)

وأبرز سمات شعر دليل تتمثل في احتفائه بالثقافة القديمة اليونانية، والهندية، والبوذية؛ وولعه بالغرابة المتمثلة في جمعه بين العلم، والثقافة البوذية، ومشاهد الطبيعة المُصوَّرة في أشعاره. ويغلب على شعر دي ليل التشاؤم النابع من ثقافته الوضعية العلمية والدينية، وقد تمثل هذا التشاؤم في تكراره موضوع الموت، رغم سعيه الدائم إلى الطبيعة. ومن ناحية الشكل، اهتمَّ دي ليل بإتقان شعره من حيث اللغة والموسيقا، وركَّز على إخراج قصائد ذات بهاء شكلي ملفت، وهو ما لم يستطع البارناسيون الآخرون مجاراته فيه. (الأصفر، 1999)

(ب) هيريديا

يعد هذا الشاعر من أوفى الشعراء، بعد دي ليل، للمدرسة البارناسية. وقد أصدر مجموعةً شعرية عام 1893م وتمثَّل فيها سمات المدرسة البارناسية، فجسَّد اللغة العالية، والموسيقى المحكمة، والثقافة العالية، كما تميَّزت فيها قصائده بالتكثيف. وثقافة الشاعر العالية في المجموعة هي ما نظَّرت البارنسية له، وهو ما كان المتلقي العام عاجزًا عن استيعابه دون حواشي وشروح. (الأصفر، 1999)

ومن أمثلة شعره قصيدةٌ يصف فيها مغامرين إسبانيين قطعوا المحيط الأطلسي نحو أمريكا بحثًا عن الذهب في القرنين الخامس عشر والسادس عشر.

«مثل طيران البزاة بعيدًا عن أوكارها

ينطلقون من بالّوس وموغير مشاةً ورؤساء

منهكين تحت وطأة عذاباتهم الباذخة

ونشاوى حُلُمٍ بطوليٍّ عسير

يمضون للبحث عن المعدن الخرافي

الذي تنضجه اليابان في مناجمها البعيدة؟

والرياح الموسمية تميل بسواريها،

نحو الشواطئ الغامضة للعالم الغربيّ

وفي كل مساء يحلمون بغدٍ ملحميّ،

ويسحرُ اللازوردُ الفوسفوري في البحار المداريّة،

غفوتهم برؤى سراب ذهبي

أو يشاهدون وهم مُكبّون على مقدمة سفينتهم

نجومًا جديدةً تطلع من جوف المحيط

في سماء مجهولة» (نقلًا عن الأصفر، 1999، ص106).

وخلاصةُ القول أنَّ المدرسة البرناسية سعتْ إلى تجريد الشعر من الأهداف، واهتمت بالشكل حتى غدا منحوتةً مثاليةً أو هندسةً دقيقةً متجرّدةً من الإحساس. ويتميز الشعر البارناسي بالصنعة الناتجة عن طول التهذيب والتدقيق في الشكل بغية الوصول إلى الكمال الفني من حيث صوغ العبارة، والوزن، والصور ما جعل قصائدهم أشبه بالصور الفوتوغرافية أو الصور المجسَّمة الخالية من المشاعر كما هو واضح في نموذج القصيدة السابقة. وهذا الاهتمام بالمظهر الشكلي لا يعني إغفالهم المضامين؛ إذ كانوا يولون منابع الفكر والهوى اهتمامًا كبيرًا، وكانوا يرون ثقافة الأديب شرطًا أساسيًا لتجلي الجمال في نصه؛ لكنَّهم أعرضوا عن المجتمع واستسقوا مواضيعهم من التاريخ سواء الأوروبي أو غيره؛ فلم يكن الشعر صدًى لأوضاع العصر أو لمشاعرهم الخاصة، فأوجد هذا لهم شريحة متلقين محدودةً. (الحمداني، 1989)

وقد نوى البارناسيون إصدار ديوان جمعي كل عام؛ بيد أنَّ اندلاع الحرب الفرنسية الألمانية (1870 – 1871) حال دون ذلك، فتفرَّقوا وتغيَّرت رؤاهم. وعندما نشروا ديوانهم الثالث 1876م، كان مجموع الأسماء فيه خمسةً وتسعين شاعرًا؛ لكنَّ الذين تكرروا في الديوانيين السابقين كانوا اثني عشر اسمًا فقط، وهم الذين أخلصوا للبارنسية ولم يتحوَّلوا عنها إلى الرمزية أو الواقعية.

الرمزية

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، كانت الأجواء الأدبية تنادي بالتجديد والحداثة، وهو ما كان ممهِّدًا لظهور الرمزية لمواجهة الشعر الكلاسيكي، والرومانسي، والبارناسي. وقد اُستخدم هذا المصطلح أوَّل مرَّةٍ في عام 1884م في مقالةٍ للشاعر الفرنسي جان موريس ردَّ فيها على الذين اتهموه بالانحلال أو الانحدار في شعره، فقال إنَّ ما ينعتونه به من الانحلال إنما هو سعي إلى تمثيل الرمز الأبدي. وإذ ذاك لم يكن مصطلح الرمز واضح المعالم؛ لأنَّ الشعراء أنفسهم لم يكونوا قد اتخذوا لهم منهجًا شعريًا واضحًا في استخدامه، علاوةً على أنَّ بعضهم كانوا يكرهون أن يُوصفوا به. وقد أعلن جان موريس بيان الرمزية عام 1886م. ورغم أنَّ موريس أعلن أنَّ نهاية الرمزية عام 1891م، استمرَّت الرمزية وانتشرت حتى شملت أوروبا كلها وأمريكا، كما امتزجت بالمذاهب الأدبية الأخرى وعايشتها. (الأصفر، 1999؛ راغب، 2003)

وقد عارض الرمزيون الرومانسية لإسفافها في المشاعر والانطواء على النفس، وعارضوا البارناسية لمبالغتها في التقيد بالأوزان وبنمطٍ عالٍ في الشكل. وأخذوا على كليهما وضوحهما في الشعر؛ إذ كانوا يؤمنون بوجود أماكن غامضةٍ خفية يصعب التعبير عنها بشعرٍ واضحٍ صريح، ولا يتحقق الوصول إليها إلَّا من خلال التحرر من القيود اللغوية والفنية واستخدام دلالات لغويةٍ جديدة توحي بحالات نفسية خاصة وتنقل الشعور عن طريق الإيماء أو الإيحاء. وبهذا تكون المدرسة الرمزية قد استهدفت أقصى درجةٍ من التجربة الشعرية التي تُنقل بالإيحاء، واستهدفت الإطار الفني المرن الذي يمكن أنْ ينقل هذه التجربة الشعورية الرقيقة. وقد تطوَّرت هذه المدرسة على ثلاث مراحل ولا تزال تتطور في استخدام الرمز لتناسب التعبير عن الظلال الخفية في التجارب الشعرية، وأبرز شعرائها: بودلير ومالارميه. (الأصفر، 1999؛ الحمداني، 1989)

(أ) شارل بودلير

انضم بودلير إلى المدرسة البارناسية ونشر في كراريسها قصائده؛ لكنه ما لبث أن انفصل عنها ليس لقصورٍ في المدرسة البارناسية أو لاختلاف ميوله الخاصة؛ بل لأنَّه شاعرٌ فذٌّ كره بساطة الرومانسية واعتنى بالشكل والإيقاع كبارناسيٍّ أصيل، لكنَّ اهتمامه بالغريب والنادر، والخيال والميتافيزيقيا، والطبيعة والإنسانية جعلتْ شعره صعب التقيُّد بمنهجٍ معيَّنٍ أو مدرسةٍ معيَّنةٍ. وقد برز بودلير عندما نشر ديوانه (أزهار الشر) عام 1857م، وهو ديوان زاخر بالكآبة والأمور النادرة الغريبة، إضافة إلى تميِّزه بلغةٍ عاليةٍ، وموسيقا محكمة، وأناقةٍ تعبيرية كبارناسيٍّ أصيل، ولهذا يُعدُّ رائد المرحلة التمهيدية للرمزية. (الأصفر، 1999)

 (ب) ستيفان مالارميه

يأتي مالارميه رائدًا لمرحلة النضج، ويعد الأب الحقيقي للمدرسة الرمزية؛ لتجسيده أبرز سماتها والتزامه خصائصها التي جعلت شعره شفافًا وغامضًا في الآن نفسه؛ لأنَّه، شأنه في هذا شأن البارناسيين، كان ينفر من اللغة البسيطة الواضحة ويراها أسوأ عيبٍ يمكن ارتكابه، وهذا الجانب منه جعله مخلصًا للمدرسة البارناسية كبودلير، إلَّا أنَّ اللغة عنده لم تكن محض لغةٍ عاليةٍ مترفِّعةٍ مُحكمةٍ؛ بل كانت سحرًا وإيحاءً متصفًا بالصوفية الباحثة عن الكمال وسر الكون في هيئةٍ متشائمةٍ تظهر فيها سمة الرومانسية؛ لكنَّه لم ينفصل بشعره عن المجتمع إلى الطبيعة، ولم يهرب من المجتمع إلى الذات؛ بل تغرَّب عن كل هذا إلى الروح الغامضة. ومن قصائده، قصيدة (اللازورد):

«السخرية الصافية للازورد الأبدي،

تُثْقِلُ بتراخٍ شديد، كما تُثْقِلُ الأزهارَ،

الشاعر العاجز الذي يلعن قريحته

عبر صحراء عقيمة من الآلام…

أحسُّه هاربًا مغلق العينين

وفي ضميره توبيخٌ كثيفٌ مذهل،

ينظر إلى روحي الفارغة، أين المفرّ؟

وأيُّ ليلٍ مذعورٍ تلقيه خرقًا باليةً على هذا المُفْجِعِ الكريه؟

انهضْ، أيها الضباب، واسكب رمادك الرتيب،

من قطعٍ من أسمال الظلام،

في السماء التي ستغرق في سبخة الخريف الداكنة

وابن سقفًا كبيرًا صامتًا

(…)» (نقلًا عن الأصفر، 1999، ص121)

وخلاصة القول أنَّ الرمزية مذهب يتخذ الغموض والإيحاء وسيلةً للتعبير عن دواخل النفس الغامضة والخفية، وهو ما جعل البعض يرى في كل أدبٍ غامضٍ أدبًا رمزيًا. وقد كان لكل أديبٍ رمزي اهتماماته الخاصة، فبينا عني بودلير بعلاقة الإنسان بالكون وفكرة الخير والشر، عُني رامبو بتصوير الصور التي تتداعى في النفس الإنسانية، وعني مالارميه بالمطلق. وهم في تصويرهم هذه القضايا قد استخدموا الرمز، فلا يفهمهم إلا القارئ المتأمل ويكتفي القارئ العادي بتلقي الصور الظاهرة. وقد ساعدت البحوث النفسية والدراسات الروحية على ظهور هذه المدرسة التي أكَّدت على أهمية اللاوعي في الأدب وعلى أهمية الغيبيات التي لم تساعدهم سوى الديانات الروحية في محاولة اكتشافها. واستخدام الرمزيين الرمزَ في أدبهم نضج على يد ت. س. إليوت الذي ارتقى بالتعبير الرمزي إلى مرحلةٍ عالية الشعرية، وقد تمثَّل هذا في قصيدته الطويلة (الأرض اليباب) التي جسَّدت المشاعر الإنسانية الغامضة بأسلوب رمزي غامض يحكم نظامه اللاوعي الذي يربط الأشياء دون نسق منطقي، كما هو واضح في القصيدة السابقة، خالقًا بذلك صورةً جديدةً غامضةً. وهذا يعني أنَّ الرمزية اهتمت بثلاثة اتجاهات: اتجاه غيبي لإدراك العالم الخارجي والداخلي، واتجاه باطني لإدراك العالم الباطن، واتجاه لغوي لإدراك إمكانيات اللغة. (الحمداني، 1989؛ الطاهر، 1983؛ مندور، 1949؛ هلال، 1975)

جسَّدت المدرستان البارناسية والرمزية أسس نظرية الخلق ومبادئها والتي رأى تليمة أنَّها نظريةٌ غير كاملةٍ بسبب قصورها في تعريف الأدب. والحق أنَّ هذه النظرية قامت على أساس الرومانسية ثم أوجدت شكلها الخاص الذي لم ينفصم عن الرومانسية، وكذلك جاءت الاتجاهات الأدبية اللاحقة التي صُنِّفتْ مع الرومانسية تحت مصطلح الحداثة الذي قام على موقفين: موقف تجاه الماضي ويتمثل بالتصوير النموذج الإغريقي الروماني، وموقف تجاه المستقبل يقوم على العلوم ويتقدم نحو الإبداع والابتكار. وقد حُدِّدتْ سمات الحداثة التي تجمع الاتجاهات الأدبية في: الفردانية، أولوية العلاقات مع الأشياء، التمييز المطلق بين الذات والموضوع، فصل القيم عن الواقع والأفكار، تقسيم المعرفة إلى مستويات. وقد مثَّلتْ الرومانسية، والبارناسية، والرمزية، واتجاهاتٌ أخرى لاحقة هذه المستويات كلُّها ما جعل تصنيفها تحت مصطلح الحداثة أنسب وأشمل. (تليمة، 1997؛ سبيلا وبنعبد العالي، 2008)


المصادر والمراجع

(1) الأدب ومذاهبه، محمد مندور، نهضة مصر للطباعة والنشر، 1949.

(2) الأسس الجمالية في النقد العربي – عرض وتفسير ومقارنة، عز الدين إسماعيل، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، 1974.

(3) التطور في الفنون، توماس مونرو، ت: محمد أبو درة وآخرون، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى 2014.

(4) الحداثة، محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، المغرب، الطبعة الثالثة، 2008)

(5) الخلاصة في مذاهب الأدب العربي، علي جواد الطاهر، دار الجاحظ للنشر، بغداد، 1983.

(6) المذاهب الأدبية لدى الغرب، عبد الرزاق الأصفر، اتحاد الكتاب العرب، الطبعة الأولى، 1999.

(7) المذاهب الأدبية، جميل نصيف التكريتي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة الأولى، 1990.

(8) المعجم المفصل في الأدب، محمد التونجي، دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى، 1999.

(9) النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال، دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1997.

(10) دراسات في النقد الأدبي المعاصر، محمد زكي العشماوي، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1994.

(11) ضرورة الفن، أرنست فيشر، ت: أسعد حليم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، 1998.

(12) عمانويل كانط، كامل محمد محمد عويضة، دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى، 1993.

(13) فلسفة الفن – مدخل إلى علم الجمال، جوردون جراهام، ت: محمد يونس، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2013.

(14) في نظرية الأدب، شكري عزيز الماضي، دار المنتخب العربي، الطبعة الأولى، 1993.

(15) قضايا النقد – مدخل إلى نظرية الأدب، هزارد آدمز، ت: عيسى علي العاكوب، وزارة الإعلام، الرياض، الطبعة الأولى، 2019.

(16) قضايا معاصرة في الأدب والنقد، محمد غنيمي هلال، دار نهضة مصر للطبع والنشر، القاهرة، 1975.

(17) مبادئ الفن، روبين جورج كولنجوود، ت: أحمد حمدي محمود، مكتبة الأسرة، 2001.

(18) مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربي الحديث، سالم أحمد الحمداني، جامعة الموصل، الطبعة الأولى، 1989.

(19) مقدمة في نظرية الأدب، عبد المنعم تليمة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1997.

(20) موسوعة النظريات الأدبية، نبيل راغب، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الأولى، 2003.

Ibnulyemen Arabic

Recent Posts

الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ

الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

3 months ago

الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ

الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…

3 months ago

الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ

الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…

3 months ago

صَلَاةُ الْعَابِرِينَ

صَلَاةُ الْعَابِرِينَ هاجر منصور سراج  16 أكتوبر، 2025 أسكب الضوء المزيف في جيوب الفجر سوف…

3 months ago

النَّجَّارُ الذَّكِيُّ

النَّجَّارُ الذَّكِيُّ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

3 months ago

الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ

الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

4 months ago