أدب عربي

الأدب بحسب نظرية الانعكاس

الأدب بحسب نظرية الانعكاس

هاجر منصور سراج

31 يوليو، 2025


انطلقت نظرية الانعكاس من رؤية أنَّ الفن إنما هو انعكاس فني للواقع الموضوعي، فواجهت بهذا نظرية الخلق (الفن للفن) التي اعتنت بالشكل وبفكرة الخلق والإبداع، ونظرية التعبير التي وجَّهت تركيزها إلى ذاتية الفرد والتعبير عن هموم الأديب وأفكاره. وحين ظهرت محاولات أولى لمواجهة إسفاف الرومانسية وتعالي البارناسية والرمزية، لم تحمل اسمًا واضحًا للحركة المضادة، ونفر الكثيرون من المصطلحات التي وُصِف أدبهم بها، لكنهم أقرُّوا باعتمادهم على حقائق الواقع وعدم ميلهم إلى التخييل المبالغ فيه. ولم يحدد مصطلح الواقعية ولا نظرية الانعكاس في الأدب إلَّا في وقتٍ متأخر من ظهور هذه المحاولات. وقد ظهر مصطلح الواقعية في أواخر القرن التاسع عشر، بعد قيام نظرياتٍ فلسفية اعتمدتها نظرية الانعكاس في تأسيس النظرية الأدبية الخاصة بهذا الاتجاه الذي نادى باتخاذ تفاصيل الحياة اليومية موضوعًا والعناية بالإنسان في وجوده واحتكاكه بالمجتمع معارضًا بهذا جمود الاتجاه الكلاسيكي الذي ركَّز على مثالية اللغة والموضوع، وعلى إسفاف الرومانسية وتركيزها على فكرة الذاتية وتدني اللغة، وعلى تعالي البرناسية وغموض الرمزية واهتمامها بفكرة الجمال الخالص والشكل المحكم الرصين مع الفصل فكريًا بين مادة الموضوع والمحتوى الفني.

وقد قامت نظرية الانعكاس على أسس نظريات فلسفية عديدة كان ظهورها مرتبطًا بتطور الحياة الصناعية وظهور الاختراعات والإنجازات العلمية والبحوث، كما لعبت الأوضاع السياسية دورًا كبيرًا في إثارة عقول المفكرين وتوجيهها نحو المجتمع، وكان للأوضاع الاقتصادية الدور الأكبر في بروز هذه النظريات الفلسفية؛ إذ أنَّ نبوغ الرأسمالية وازدهارها جعل بين الطبقة الغنية والطبقة العاملة هوةً هائلةً حالت بينهم وبين الاستقرار الاجتماعي؛ فحين كان الأغنياء البرجوازيون المحظوظون ينعمون بحياةٍ هانئة، كانت طبقة العمال تختص بالأيام الصعبة والحياة القاسية، ومن هذه الطبقة خرج معظم الفلاسفة والأدباء الذين واجهوا الواقع وأعلنوا رفضهم لتمدد الرأسمالية، وأبرز هذه النظريات الفلسفية هي النظرية الماركسية التي أُخِذ مصطلح الانعكاس من نظريتها في (البنية الفوقية والتحتية). (عز الدين إسماعيل، 1974)

واضطراب الأوضاع الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية كانت سببًا أيضًا في ظهور النظريات الأدبية السابقة، ويتبدى هذا أمرًا طبيعيًا؛ لأن الإبداع والتجديد إنما يظهر في الأوضاع المضطربة التي تتصارع فيها القيم والمبادئ. فنظرية التعبير جاءت برؤية أنَّ الذاتية وسيلة للهروب من سيطرة الرأسمالية واستعبادها، ورأى أصحاب نظرية الخلق التعالي والغموض وقصر وظيفة الفن على الفن نفسه وسيلةً لمقارعة الرأسمالية التي تاجرت بالأدب، ثم جاءت نظرية الانعكاس ورأت أنَّ الوسيلة الأنفع هي مجابهة الرأسمالية وتصوير حال المجتمع الذي تستعبده من خلال الأجر واتخاذ أسلوب صريح في نقده (التكريتي، 1990؛ عياد، 1993؛ فيشر، 1998؛ عزام، 1999؛ بيتروف، 2012).

ظروف النشأة

عاش المجتمع الأوروبي في القرن التاسع عشر أزمةً اجتماعيةً رأى أوجست كونت ومعاصروه أنَّ السبب وراءها هو اختفاء أحد النظم الاجتماعية وظهور نظام اجتماعي جديد، وقد قصدوا بهذا الإشارة إلى التعارض بين النموذج الصناعي الحربي الديني، والنموذج الاجتماعي الصناعي العلمي. ففي هذا العصر ازدهرت الصناعة واتسعت رقعتها ومجالاتها، وظهرت الاكتشافات العلمية والأسس المنهجية في التفكير، وكان لهذا الاختلاف دور كبير على المجتمع البشري حينها على مستويات عديدة أهمها مستوى الأخلاق الذي صبَّ الفلاسفة اهتمامهم عليه، ورأوا في فساد الأخلاق فساد التفكير والفهم. (عبد المعطي، 1993)

ونتيجةً لظهور العلوم الطبيعية وزيادة الاهتمام بها وبطرقها المنهجية في الدراسة، ظهرت علومٌ إنسانية استندت إلى الضوابط المنهجية نفسها، وظهرت الفلسفة المادية الواقعية التي عارضت الفلسفة المثالية في اعتمادها على الميتافيزيقا والتفسيرات الغيبية للعالم والحياة. ورغم أنَّ الفلسفة الواقعية أرادت اعتماد المنهجية العلمية، رأت فيها جفافًا يسلب الفلسفة حقَّها، فتخلَّصت من الاستقصاء الكامل الذي تقوم به العلوم، وأهملوه في استقصاء بعض الظواهر لا سيما في مجال الفن الذي يخضع للذائقة الفنية عند الفرد؛ لكنهم رأوا أنَّ على الفنان أن يستند إلى قواعد وضوابط تجعل فنَّه مقبولًا عند الفئات المجتمعية كلها، لا سيما الشريحة الأكثر فقرًا في المجتمع، وهي الشريحة التي تمثِّل المجتمع حقًّا. لقد نظر فلاسفة هذا العصر إلى المجتمع قبل النظر إلى ما وراء الطبيعة والكشف عن سرِّ العالم، فرأوا أنَّ مصير الإنسان في علاقته بأخيه الإنسان ثم بالعالم، ورأوا ضرورة تربية المجتمع على الإيثار، وضرورة التحلي بالعدالة وخلقها لأنها ليست خلقًا مثاليًا، بل وليدة المجتمع الذي ينشد المساواة. هذه النظرة إلى المجتمع جعلت الفلاسفة والناس جميعًا يستخفون بالشعر المُمَجِّد للغموض والعلو أو المغمور بالمشاعر الذاتية التي أخفت وجود المجتمع وتجاهلته. ومن هذه النقطة يرى بعض النقاد أنَّ استغراق الرومانسية في الذات واعراضها عن المجتمع هو ما حفر قبرها بينا ظلَّت الواقعية حيَّةً حتى اليوم (هايمن، 1960؛ هلال، 1997؛ التكريتي، 1990).

وبهذا تكون لدينا أربعة أسباب لظهور نظرية الانعكاس في هذا العصر: أولًا، تمدد الرأسمالية وزيادة الإنتاج المادي، وهو ما أدَّى إلى وجود هوة كبيرة بين طبقات المجتمع وأدَّى بالتالي إلى صراعها. ثانيًا: اختلاف النظم الفكرية الاجتماعية والثقافية بسبب الهوة الكبيرة بين الطبقات، وعجز الطبقات العليا عن استيعاب النظم الفكرية عند أصحاب الطبقات الدنيا. ثالثًا: اعتزال الأدب في الطبيعة أو في الأبراج العاجية واعراضه الكامل عن تمثيل المجتمع. رابعًا: بروز المناهج العلمية الجديدة وظهور الاختراعات والإنجازات التي أثارت انتباه الناس عامةً والفلاسفة خاصةً لتأثيرها في حياة المجتمع.

مصطلحات النظرية

جاء في لسان العرب، في مادة (ع ك س): عكس الشيء يعكسه عكسًا فانعكس: ردَّ آخره على أوَّله. وقد اشتق مصطلح هذه النظرية من فلسفة كارل ماركس التي قال فيها إنَّ الوعي انعكاس للكينونة، ولا يوجد في العالم وعيٌ مستقلٌ عن المادة؛ لأنَّنا نعيش في عالمٍ مادي ندركه بحواسنا، ولا بُدَّ أنَّ وعينا هو انعكاس لهذا العالم المادي المكوَّن من الطبيعة والمجتمع (بوليتزر وآخرون، 1970).

وتقوم هذه النظرية على عدَّة أسس فلسفية، منها: الفلسفة الطبيعية، الفلسفة الوضعية، الفلسفة الماركسية، الفلسفة الوجودية. فالفلسفة الطبيعية ترى أنَّ الطبيعة أساس الحياة، وترى أنَّ كل ما يصدر عن الفرد والمجتمع يخضع لقوانين الطبيعة. أمَّا الفلسفة الوضعية فترى أنَّ للواقع وجودًا منفصلًا عن تفكير الإنسان، والتفكير هو اكتشاف الواقع، وبهذا ناقضت الفلسفة المثالية التي تُرجع كل أنواع الوجود إلى فكر الإنسان وترى أنَّ وجود الأشياء إنما هو نابع من إدراك الإنسان لها. والفلسفة الوضعية مذهب أوجست كونت «الذي يرى أن الفكر الإنساني لا يدرك سوى الظواهر الواقعية والمحسوسة وما بينها من علاقات أو قوانين، والعلوم التجريبية هي المثل الأعلى لليقين، وعلى ذلك لا محل للبحث عن طبائع الأشياء ولا عن عللها الغائية» (التونجي، 1999؛ راغب، 2003؛ مجمع اللغة العربية، 1979، ص214)

 أمَّا الفلسفة الماركسية فـ «فلسفة للتاريخ وبرنامج ثوري للتغير الاجتماعي الشامل وضعه كارل ماركس (1818 – 1883م). وأساس الماركسية بوصفها فلسفة، كفلسفة للتاريخ، هو المادية الجدلية التي أراد ماركس أن يثبت أنَّ الرأسمالية تحمل في ثناياها بذور تحللها، وأنه لا مَناصَ من الثورة» (وهبة، 1974، ص303). أمَّا الوجودية فمصطلح فلسفي ومذهب فلسفي دعا إليه جان بول سارتر، ويقوم «على أنَّ الإنسان حرّ في كل شيء عدا ألا يكون حرًا. فالإنسان في عرفهم غير مقيد بقانون يحدُّ من حريته، ويستطيع أن يختار ما يعمل (…) ويقوم محور المذهب الوجودي في الأدب على تمثيل ذاتية الإنسان، وحقه الحر في التفكير كما يشاء، وباللغة التي يريد، بحرية فنية كاملة تحرره من كلِّ قيد يقيدُه به النقاد، إضافةً إلى مظهره الإلحادي» (التونجي، 1999، ص880 و881). وقد أكَّد الوجوديون على مصطلح الالتزام الذي يعني «التزام الكاتب بقضيةٍ ما اجتماعية أو سياسية والدفاع عنها في أدبه. (…) وقد انتشر في العالم نوعان من الالتزام: الالتزام الوجودي الذي قال به سارتر، والالتزام الاشتراكي» (عزام، 199) ص 156). وبمصطلح الالتزام يدعو ممثلو نظرية الانعكاس إلى الالتزام بدعوة اجتماعية لتشكيل دعائم بنية المجتمع وترسيخها، وبهذا ينحصر عندهم مفهوم الجودة في مدى التأثير الاجتماعي الإيجابي، وما دون ذلك من الذاتية يكون محض لغو لا يُعترف به (هويدي، 2015).

 وإلى مصطلح الالتزام ظهرت مصطلحات كثيرة ارتبطت بهذه النظرية، منها مسارا الواقعية: الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية. كما ظهر مصطلح الأدب البروليتاري أو العمالي الذي يشير إلى «نوعٍ من الأدب ظهر في أوروبا الغربية والشرقية في العقد الثاني من القرن العشرين، يتميَّز بالتعبير عن الثورة ضد المدارس الواقعية والطبيعية الشائعة آنذاك، كما يحاول التعبير عن هموم الطبقة العاملة وصراعها» (عزام، 1999، ص154).

وجليٌّ مما سبق أنَّ النظريات الأدبية قامت على أسس فلسفية واستعارت من الفلسفة مصطلحات أسقطتها على الجانب الأدبي. ويرجع هذا إلى قدرة الفلسفة على تناول الفنون وتفسيرها وتحليلها بما يقيم لها أساسًا متينًا، وإن كانت الاتجاهات الأدبية قد ظهرت قبل تشكل الفلسفة على هيئة محاولات فردية وبدايات بسيطة.

الأسس الفلسفية للنظرية

كوَّنت الكثير من الآراء الفلسفية نظريةَ الانعكاس، منها آراء هيبوليت تين التي تعرف بنظرية (الجنس والبيئة والزمن). وقد انطلق تين في نظريته هذه من صرامته وانتظامه في تطبيق منهج العلوم التطبيقية، فعامل الأدب معاملة العلوم ورأى أنَّ الآداب يمكن تحليلها بناء على العوامل المؤثرة فيها، وهي: الجنس (أو العرق أو النوع)، والبيئة، والزمن. وآراؤه هذه تعتبر أساسًا للأدب المقارن الذي أعطى لكل أدبٍ خصائصه القوميّة، وميَّز الخصائص البيئية التي تؤثر على الأدب كما تؤثر على الإنسان، وأكَّد على أهمية الزمن في العمل الأدبي. وقد رأى تين أنَّ الأعمال الفنية إنما هي وثائق وآثار وأزمان تتجسد في الأعمال العظيمة. وقد طبَّق نظريته هذه في كتابه (تاريخ الأدب الإنجليزي)، ثم وسَّع نظريته الجمالية في كتابيه (فلسفة الفن) و(المثال في الفن)؛ بيد أنَّ معالجته العلمية الممنهجة جعلته يفتقد لشيء من المرونة في معالجة الأدب، فشُبِّهت دراساته بعملية التحنيط. (الماضي، 1993؛ حمادة، 1982)

وإذ أعلن تين آراءه هذه، أبدى أستاذه سانت بيف اعجابه بها؛ لكنه عارض فكرة أنَّ الأعمال الأدبية هي سجلات تاريخية. كما اُعْتبِرت آراء تين قاصرة لأنه لم يتحدث عن الأثر الاجتماعي على الأديب؛ لأنَّ الأديب إنسان له علاقاته الاجتماعي وإنجازه في المجتمع، ولا بد أنَّ لهذا تأثيرًا على حياته وبالتالي أدبه. وقد استند تين في آرائه هذه إلى الفلسفة الطبيعية التي مثَّلها إميل زولا على المستوى الأدبي. (الماضي، 1993)

الرأي الثاني الذي ساهم في تكوين نظرية الانعكاس هو رأي الأديب الروسي ليو تولستوي الذي يعرف بـ (نظرية العدوى)، وقد وضعها في كتابه (ما الفن)، وفيه انتقد تفسيرات الجمال الميتافيزيقية والحسية ورأى فيها اتساعًا غير دقيقٍ يسبغ عليها غموضًا على غموضٍ. ويرى تولستوي أنَّ الأشخاص الذين يرون أنَّ هدف الفن إنما هو لذة خالصة، لا يستطيعون إدراك مغزى الفن وأهميته. وهو يرى أنَّ علينا أن ننظر إلى الفن «كشرط من شروط الحياة البشرية، وإننا إذا نظرنا إلى الفن هذه النظرة، فلن يكون بوسعنا إلا أن نرى بأن الفن إحدى وسائل اختلاط الناس مع بعضهم البعض» (تولستوي، 1991، ص62). وهو يرى أنَّ الفن بشكل عامٍّ وسيلة لتبادل الأحاسيس. ويؤكد تولستوي على كلمتي (التبادل والاختلاط) للتأكيد على الوظيفة الاجتماعية التي يقوم بها الفن بنقل الأحاسيس بين الناس، وهو ما ضبطه بمصطلح العدوى قائلًا «إذا انتقلت، بالعدوى تلك المشاعر التي عانى منها المؤلف، إلى المشاهد والمستمع فهذا هو الفن ذاته» (تولستوي، 1991، ص64). وبهذا يكون للفن عنده وظيفةٌ توصيليةٌ إضافةً إلى إسعاد الجماهير الفقيرة. وخلاصة رأيه أنَّ الفن هو «وسيلة اختلاط بين الناس ضرورية من أجل الحياة ولصالح تطور الإنسان والإنسانية نحو الأفضل، وسيلة توحد الناس في أحاسيس واحدة» (تولستوي، 1991، ص 65)، وبهذا روَّج تولستوي لمثالية الأخوة العالمية في الأدب القائمة على الشعور الديني. (حمادة، 1982؛ البقاعي، 1985)

ورغم أنَّ هذه الآراء قامت على أساس الفلسفة المثالية القائمة على التأمل، مهَّدت لظهور الآراء الفلسفية القائمة على الفلسفة المادية الواقعية. ومصطلح الفلسفة الواقعية مصطلح له العديد من التعاريف والتأويلات، لكنه عامةً يقصد به «نزعة تقدم الأعيان الخارجية على المدركات الذهنية» (مجمع اللغة العربية، 1979، ص210)، كما يندرج تحت هذا المصطلح الكثير من المذاهب الفلسفية، ولهذا سنكتفي بالإشارة هنا إلى الفلسفة الوضعية التي قال بها أوجست كونت، والفلسفة الماركسية التي قال بها كارل ماركس، والفلسفة الوجودية التي قال بها ياسبرز وهيدجر وعزَّزها جان بول سارتر.

أوجست كونت

هو فيلسوف فرنسي عاش بين عامي (1798 – 1857م)، ويعد من أوائل المؤسسين لعلم الاجتماع الحديث. وقد بدأ كونت بدراسة مشكلات المجتمع في إطار عقلي محدد أثناء قمة الفكر الديكارتي. ويعد مؤلفه (الفلسفة الوضعية) أهمَّ مؤلفٍ في علم الاجتماع، ويقع في ستة أجزاء. وقد عدَّ كونت علم الاجتماع أكثر العلوم تعقيدًا وتركيبًا بسبب تخصصه في دراسة المجتمعات من ناحية موضوعية طبيعية مطبِّقًا في ذلك المنهج الموضوعي المستخدم في دراسة الظواهر الاجتماعية القائم على الملاحظة الموضوعية. وقد انطلق كونت إلى دراسته هذه من رغبته العميقة في إصلاح المجتمعات المعاصرة له وتخليصها من الفوضى السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية؛ إذ كان يرى أنَّ الفلسفة ليست غايةً في ذاتها، بل وسيلةً للوصول إلى غايات تخدم الصالح العام وتسهم في ارتقاء المجتمع على كافة المستويات. وقد قامت فلسفته على التجريبية المتطرفة التي اعترفت فقط بما يمكن ملاحظته وإثباته عن طريق التجربة. وبهذا استبعد كونت التجريدات الميتافيزيقية والمعاني اللامادية، ونأى بنفسه عن الافتراضات المسبقة. وفي كتاب (نظرة عامة في الفلسفة الوضعية) وضع كونت فصلًا عن علاقة الفلسفة الوضعية بالفن، فتناول فيه وظائف الفن وتطوراته المحتملة. وقد رأى كونت أنَّ من وظائف الفن «المساعدة في توجيه ديانة البشرية عن طريق مهرجانات عامة منظمة. وستكون البشرية نفسها موضوع العبادة» (مونرو، 2014، ص138). ورأى أنَّ رسالة الفن هي إنشاء أرقى الأنماط، والرقي بأفكار المتلقين ومشاعرهم وتحفيزهم على إصلاح الواقع. وقد رأى أنَّ الفن يبدأ بمحاكاة بسيطة ثم يتابع سيره نحو التعبير، ثم يخلص إلى الشكل الراقي المؤثر (مونور، 2014؛ عبد المعطي، 1993).

كارل ماركس

ولد كارل ماركس لعائلة يهودية في بروسيا عام 1818م. نشأ في عائلة فقيرة، وعاش في أوضاع متقلبةٍ سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا؛ وكان لهذا تأثير كبيرٌ في أفكاره ورؤاه. وقد تأثر ماركس بفلسفة أوجست كونت الوضعية وحاول تطبيقها بالقدر الذي سمحت به المعطيات والقضايا في عصره. وقد انطلق الفكر الماركسي من الرؤية نفسها التي انطلق منها أوجست كونت حين رأى أنَّ للفلسفة وظيفة وليست هي الغاية في ذاته؛ فقد رأى ماركس أنَّ الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم ورأوا في هذا غاية الفلسفة؛ بينا رأى أنَّ الغاية هي تغيير العالم من خلال الفلسفة. وبسبب هذه الرؤيا التي لم يفهمها الكثيرون، تعرَّضت الماركسية لهجوم ضارٍّ مستمرٍّ حتى اليوم. (عويضة، 1993)

والنزعة المادية في الماركسية ترى في الوعي والكينونة والفكر والمادة صورتين مختلفتين لظاهرة واحدة هي (الطبيعة أو المجتمع). وهذه الفرضية الماركسية تؤسس لفكرة أنَّ مضامين الوعي ليست إلَّا انعكاسًا للخواص الخارجية الموضوعية التي نراها حولنا ونشعر بها. وتخلص الماركسية بهذا إلى أنَّ الشيء القائم في الخارج سابق على الصورة المكوَّنة في الوعي الإنساني، وأنَّ هذا الوعي إنما هو انعكاس لحركة المادة في الدماغ الإنساني. وترى الماركسية أنَّ تطور الظروف الخارجية يسبق تطور الوعي، فالوعي لا يتغير إلا حين تتغير المادة في الواقع. وهذه النظرية هي نظرية البنية التحتية والفوقية (بوليتزر وآخرون، 1970).

تقضي هذه النظرية أنَّ مصطلح (البنية التحتية) يطلق على الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ويطلق مصطلح (البنية الفوقية) على نمط تفكير المجتمع ومؤسساته السياسية، وقوانينه، ودينه، وفنونه، وأخلاقه. وبين (البنية التحتية) و(البنية الفوقية) علاقة ديالكتيكية؛ فنمط الإنتاج في المجتمع هو ما يحدد المظهر الأيديولوجي والسياسي لهذا المجتمع. وبهذا يرى أنَّ من الطبيعي أن يختلف تفكيرنا ومعاييرنا الأخلاقية عن نمط التفكير والمعايير الأخلاقية عند الإنسان في العصور الوسطى بسبب اختلاف (البنية التحتية) وتطورها. والمقصود بالبنية التحتية كل ما يتعلق بوسائل الإنتاج من آلات وأجهزة وغير ذلك مما يستعمله الإنسان في عملية الإنتاج. وقد تعود (البنية الفوقية) وتؤثر على البنية التحتية، لكنَّ ماركس لا يرى أنَّ للبنية الفوقية تاريخًا مستقلًا؛ لأن كل التحولات التاريخية إنما بدأت بتحولات في (البنية التحتية) (غاردر، 2012؛ عويضة، 1993؛ مونرو، 2014؛ بوليتزر وآخرون، 1970).

جان بول سارتر

هو فيلسوف وأديب فرنسي عاش بين عامي (1905 – 1980م). وقد كان سارتر وجوديًا ذا نزعةٍ ماركسية، لكنه كان حرًّا في تفكيره وآرائه التي عبَّر عنها في الكثير من الروايات، والمسرحيات، والقصص القصيرة، والأعمال النظرية. ويعد كتابه (الوجود والعدم) أبرز عمل فلسفي له، وقد قام فيه بالتحري في طبيعة والوجود والعدم وأشكالهما (ماكوري، 1982).

يرى سارتر أنَّ وجود الإنسان يسبق ماهيته، ووضَّح أنَّ الإنسان يوجد أولًا ويواجه نفسه ثم ينخرط في العالم فيعرف نفسه؛ وبهذا لا يكون الإنسان شيئًا إلَّا لاحقًا. وفي الفلسفة الوجودية مواضيع مكررة التزم سارتر والوجوديون بالتعبير عنها في الإنتاج الأدبي، وهي: الحرية، المسؤولية، اتخاذ القرار. وهي الموضوعات التي رأى الوجوديون أنَّها تشكل الوجود الشخصي؛ لأنَّ ممارسة الحرية هي ما يميز الإنسان عن بقية الموجودات. وقد انطلق الوجوديون إلى فكرة الالتزام لتحقيق هدف ربط الأدب بالمجتمع وتحقيق رسالةٍ أدبيةٍ عامةٍ غير مقصورةٍ على شريحةٍ معينة من المجتمع (نادي، 2015).

وقد فصَّل الوجوديون مجموعةً أخرى من المواضيع، هي: اليأس، والإثم، والاغتراب، والموت؛ بيد أنَّ هذه المواضيع لا تجعل منهم جماعةً متشائمة؛ إذ يتناول بعضهم هذه المواضيع بأسلوب متفائل، لكنهم يوضحون أنَّ هذه العناصر المأسوية هي جزء من الوجود البشري. وتمثيل الوجوديين لهذا النوع من المواضيع تجسيد للواقع الإنساني في القرنين التاسع عشر والعشرين حين جرفت مشاعر التمزق والاغتراب الإنسان وجعلته يشعر بالتهديد الدائم. وقد تناولت الأعمال الأدبية الواقعية هذه المواضيع بشكلٍ مفصل لا سيما الواقعية النقدية (ماكوري، 1982؛ الأصفر، 1999؛ البقاعي، 1985).

وإضافةً إلى هذه الأفكار والنظريات الفلسفية، ظهر إميل زولا مجسِّدًا الحركة الطبيعية في الأدب ومتأثرًا بالبحوث العلمية المستجدَّة، فدعا إلى الرواية العلمية أو الرواية التجريبية وحاول تطبيقها في كتابته مصوِّرًا انحلال البرجوازية، ومقاومة العمال، وبؤس الشعب؛ لكنَّه لم يقدِّم أملًا، بل قام بتصوير الواقع تصويرًا موضوعيًا مفزعًا مقدِّمًا حقيقة أنَّ الظروف غير قابلة للتغيير. وبمحاولته هذه لفت النظر إلى تجسيد الحياة الواقعية والطبيعية في الأدب. وبهذا كوَّنت هذه الآراء الفلسفية سواء ما استند منها إلى التفكير والتأمل، وما اعتمد على نظريةٍ فلسفية وانتهى إلى نظريةٍ كاملة، نظرية الانعكاس الأدبية التي استند إليها الاتجاه الواقعي في الأدب (فيشر، 1998).

الاتجاه الواقعي في الأدب

تعرَّض مصطلح الواقعية للكثير من التعاريف والتفسيرات، وزاد من غموضه تعدد أنواع الواقعيات التي أحصاها البعض في ثلاثين نوعًا، منها: الواقعية النقدية، الواقعية المثالية، الواقعية الطبيعية، الواقعية الاشتراكية، الواقعية الذاتية، الواقعية الرومانسية، الواقعية الساذجة، الواقعية النفسية. وقد استاء غوستاف فولبير من هذا المصطلح حين وصفت به روايته (مدام بوفاري) ورأى فيه إهانةً. ورغم أنَّ هذا المصطلح قد ارتبط بـ (شانفيلوري)، سخر منه ورأى أنَّه تناول ما في الواقع فقط. كما اعتبر (ادموند دورانتي) هذا المصطلح نقيضًا لكلمة مدرسة؛ لأنها تعني التعبير الصريح عن الصفات الفردية (الحمداني، 1989).

بيد أنَّ كل هذا التحامل على المصطلح ما لبث أن انقشع – ولو قليلًا – بعد اكتمال صفات هذا الاتجاه، فأصبح يطلق على المعالجة الموضوعية للمشاكل الواقعية دون تدخل الأديب. كما أطلق أيضًا على كل إنتاج فكري يتخذ الحياة الإنسانية والطبيعة المحسوسة أساسًا له. وقد وصف مكسيم غوركي هذا الاتجاه بأنَّه التصوير الموضوعي للواقع، ورأى فيه جورج لوكاش النموذج المثالي لعرض الإنسان والمجتمع ككيانات كاملةٍ دون التركيز على مظهرٍ معين من مظاهرها. وهذه الموضوعية في التناول هي التي رآها أوجست كونت آخر مرحلةٍ من مراحل التطور الفكري عند الإنسان (عبد المعطي، 1993؛ الحمداني، 1989).

ومعظم رواد الواقعية كانوا رومانسيين أوَّل أمرهم قبل أن ينصرفوا عنها ويسخروا من مبادئها، وعلى رأس هؤلاء فولبير الذي رغم رفضه الذاتية المطلقة في الأدب، رفض تسخير أدبه لإصلاح المجتمع؛ لكنَّه ظلَّ الخطوة الأولى للتحول عن الرومانسية. ورغم أنَّ الواقعية ليست مذهبًا وليد القرن التاسع عشر، أو اتجاهًا لم يسبق إليه أحد، ظلَّ ظهورها محددًا بسبب تبلور سماتها وخصائصها في هذا الزمن؛ لأنَّ هذا الاتجاه لم يكن مقصودًا إليه في السابق لقيام الفن واعتماده على الأسس الواقعية. من هذا ما كان من مسرحيات شكسبير التي فُصِّلت فيها دوافع الإنسان ومشاكله الواقعية بطريقةٍ خاليةٍ من إسفاف الذاتية أو جمود الكلاسيكية ومستندةً إلى موضوعيةٍ جعلت البعض يرى هذا الاتجاه أشبه بعدسة المصور البارع في اختيار المشاهد الواقعية التي تقوم بوظيفة توصيلية بين المضمون والقارئ. وقد التزم الأدباء الواقعيون بالحيادية والموضوعية وبالتعبير عن قضايا الإنسان في صراعه في الحياة والمجتمع شأنهم في هذا شأن الفلاسفة الذين استندوا إلى الفلسفة الواقعية واستهدفوا الفرد في المجتمع (الحمداني، 1989؛ الأصفر، 1999؛ راغب، 2003).

والواقعية أدبيًا هي «تصويرٌ مبدعٌ للإنسان والطبيعة في صفاتهما وأحوالهما وتفاعلهما، مع العناية بالجزئيات والتفصيلات المشتركة للأشياء والأشخاص والحياة اليومية ولو كانت تفصيلاتٍ مبتذلة وكل ذلك ضمن الإطار الواقعي المألوف. إنَّه واقعٌ لا يشترط فيه الأمانة والصدق في النسخ بل كل ما يشترط فيه (الصدق الفني)» (الأصفر، 1999، ص133).

وللاتجاه الواقعي خصائص معيَّنة يمكن تحديدها في: اتخاذ الواقع الطبيعي والاجتماعي موضوعًا في الأدب، استيحاء الشخصيات الروائية من الشخصيات الواقعية، استيحاء الصراعات الواقعية للإنسان في المجتمع. ويتسم الاتجاه الواقعي بحيادية المؤلف في عرض موضوع الرواية وتحليله الأمور موضوعيًا دون انزلاق إلى الوعظ والمباشرة في الخطاب الذي يُفْقِد الأدب فنيته. والتحليل ميزة خاصة من ميزات الاتجاه الواقعي، فيستند التحليل إلى السبيبة والمنطقية ويبرز بهذا الدوافع النفسية للأحداث. وقد فضَّلت الواقعية النثر على الشعر بسبب إمكانية اللغة على تمثيل الواقع والإيفاء ببنود نظرية الانعكاس وعجز الشعر عن ذلك. إضافةً إلى أنَّ الواقعية اعتمدت لغةً أدبيةً دون علوٍّ أو إسفاف، رغم أنَّها أبرزت لغة الحوار العادي واللهجات المميزة للشخصيات، وذلك انطلاقًا من فكرة تمثيل الواقع كما هو. (الأصفر، 1999)

ورغم أنَّ الواقعية بأنواعها استهدفت الواقع والمجتمع، تُمَيِّز مجموعةٌ من الخصائص كل نوعٍ من أنواع الواقعية، وسأتناول هنا: الواقعية الطبيعية، الواقعية النقدية، الواقعية الاشتراكية.

(أ) الواقعية الطبيعية

يطلق على الواقعية الطبيعية مصطلح المذهب الطبيعي رغم اعتمداها سمات الواقعية الأم وتصنيف كتابها واقعيين، ومنهم: زولا، فولبير، موبسان، دوديه. وتختص هذه المدرسة بمجموعةٍ من الخصائص، هي: المبالغة في التزام الواقع الطبيعي جيده وقبيحه، والإيغال في وصف مقابح الأمور وبذاءة الأقوال والأفعال مستندين في ذلك إلى أنَّ البذاءة والقبح جزء من الحياة الطبيعية، فلا يمكن إغفالها أو اخفاءها، وإلى حقيقة أنَّ الانسان إنما هو حيوان سلبي أنتجته الطبيعة والوراثة، فلا يملك بهذا قدرةً على الفرار من مصيره المحتوم. وبهذا أخلصوا لعلم الطبيعة والفلسفة المادية الوضعية، وابتعدوا في كتاباتهم عن التصوير الغيبي أو التفكير المثالي؛ بل تعدَّوا هذا إلى مهاجمة الدين لاعتماده على الغيبيات، ورأوا فيه ممارسةً تعيق التقدم والتفكير. واتخذوا الصراحة والمجابهة أسلوبًا لهم، فلم يتورَّعوا ولم يجاملوا، بل انتقدوا كل الممارسات بلغةٍ واضحةٍ وصريحةٍ. ورغم هذا، يلوح الأمل والتفاؤل في كتاباتهم بسبب انتصارهم للعلم والحرية والعدل وقيم أخرى يتلهفون إلى العيش فيها في إطار مجتمعٍ واحدٍ متكاملٍ. ورغم هذا، ظهر عديد من الطبيعيين المتشائمين والذين أوغلوا في استخدام اللغة الشعبية والمفردات الساقطة واكتفوا باتخاذ السقوط والرذالة موضوعًا لأدبهم واتخاذ شخصياتهم من نماذج الأشرار والحثالة؛ لكن حياة أدبهم لم تستمر طويلًا. (الأصفر، 1999؛ البقاعي، 1985)

(ب) الواقعية النقدية

تختلف الواقعية النقدية عن الواقعية الطبيعية في مجموعةٍ من الخصائص، وتشابهها في الخصائص التي تضبط كل أنواع الواقعية. وخصائصها هي: النظرة الشمولية للإنسان والحياة وارتباطهما ارتباطًا عضويًا، فيتضح في أدب هذا الاتجاه تأثير الأوضاع المجتمعية على الحالات النفسية الفردية، وبهذا يكون الفرد جزًا من المجتمع لا يمكن فصله عنه. ويمتلك هذا الاتجاه وعيًا تاريخيًا بتطور العالم، ويراقب أثناءه تطور الإنسان مخالفين بذلك النظرة التشاؤمية الرومانسية والطبيعية. وقد ارتبط الجمال عندهم بمستوى التصوير الواقعي للمجتمع دون استهداف القبيح والسيء، بل عملوا على كشف التطور الاجتماعي كشفًا صادقًا دقيق الملاحظة، وإن خلا من التفاؤل الذي سوَّقته الواقعية الاشتراكية واقتصر على كشف الواقع السيء دون بارقة أمل في تغييره، وهو ما جعل الكثيرين يصفونها بالواقعية المتشائمة التي تكتفي بالنقد فحسب. وقد رأى أدباء هذا الاتجاه أنَّ العمل الفني في تسجيله للعالم لا يهدف أن يكون محض سجلات تاريخية للتطور أو سجلات مجتمعية للقبح والبذاءة وإنما رأوا فيه كشفًا لوعي الفنان الخاص والتقاطه التطور في أدق حركاته. وقد استهدفت الواقعية النقدية الرأسماليةَ التي بعثت الكثير من التناقضات في العلاقات المجتمعية، فوجَّهت نقدها نحو الرأسمالية وحلَّلت أفعالها وأثر ذلك على الحياة المجتمعية بشكل عامٍ وعلى العالم الداخلي للإنسان بشكلٍ خاصٍّ. ومن الأدباء الواقعيين بلزاك الذي جسد صورًا واقعيةً في مجموعته (الكوميديا الإنسانية). (الحمداني، 1989)

(ج) الواقعية الاشتراكية

يُطلق على الواقعية الاشتراكية مصطلح الواقعية الجديدة؛ لأنَّها جاءت ردًّا على الواقعية النقدية المتشائمة والطبيعية السطحية. والواقعية الاشتراكية انطلقت في حقيقتها من الفكر الاشتراكي الذي يؤمن بتوظيف الفن لصالح المجتمع ووجوب تمثيله، كما يرى أنَّ وظيفة الفن هي تغيير المجتمع، فكان أن تميَّز هذا الاتجاه بالتفاؤل وبالبحث عن الخير في نفس الفرد. وقد تميَّز أدباء هذا الاتجاه الواقعي عن غيرهم بأنهم لم يكتفوا بالتفكير النظري في صراع الطبقات، أو التطور الاجتماعي، أو التطور العلمي؛ بل طبقوا فكرهم الاشتراكي عمليًا وبشَّروا بقيام مجتمع اشتراكي يسعد الطبقات الدنيا؛ فكان أدبهم تمثيلًا صادقًا لفكرهم الذي يرى إنسانية الإنسان نتاج المجتمع والحياة، وبهذا يكون أدبًا هادفًا متخففًا من يأس وتشاؤم ومرارة الواقعية النقدية.  (البقاعي، 1985؛ العشماوي، 1994، مندور، 1949)

وبهذا يتضح لنا أنَّ الفلسفة المثالية قد قصرت وظيفة الأدب على تغذية الإحساس الجمالي عند الإنسان وسخَّرته لذاته، وبهذا ميَّز أصحابها بين عنصري المضمون والصورة في الفن، متجاهلين حقيقة أنَّ العمل الفني عمل خيالي تمتزج فيه الصورة والعاطفة والفكر والشكل الخارجي بما يشكل صورته النهائية. كما لا ينفصل المضمون السياسي، أو الاجتماعي، أو الأخلاقي عن الأدب ولا يشكل إخلالًا بجمالية الأدب؛ وهو الأمر الذي قامت به نظرية الخلق المستندة إلى الفلسفة المثالية. كما قصر المثاليون التجربة الجمالية على موضوعات معيَّنةٍ محاولين بهذا فصل الأدب عن الواقع كليًّا، وهو ما أثار عليهم الفلسفة الواقعية التي نادت باتخاذ الواقع موضوعًا للأدب، وإن تطرَّفوا في هذا وهمَّشوا استقلالية الفرد في المجتمع. (العشماوي، 1994)

من هذا نخلص إلى أنَّ مصدر الأدب بحسب نظرية الانعكاس ليس الأديب بل المجتمع، وإن بدت عملية الإبداع عمليةً فرديةً، ويفسِّرون هذا أنَّ الأديب لا يكتب منعزلًا عن العالم، بل يجب أن يتصل بالآخرين كي يكتب. وإذا كان الأدب في ظاهره هو نتيجة جهدٍ فردي، فهو في حقيقته نتاج المجتمع الذي يثير عند الأديب أفكارًا ومشاعر مختلفة جعلته قادرًا على الكتابة من خلال تفاعله مع المجتمع. وماهية الأدب بحسب نظرية الانعكاس شكلٌ من أشكال الوعي الاجتماعي وصورة من صور الثقافة؛ لأنه يكشف الظروف السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية في الزمن الذي عاش فيه الأديب. أمَّا وظيفة الأدب فتغيير المجتمع من خلال إثارة القارئ ودفعه على المشاركة في التغيير، وبهذا ترى نظرية الانعكاس أنَّ القارئ متلق ومشارك في عملية الإبداع. (الماضي، 1993، تليمة 1997)


المصادر والمراجع

(1) أصول الفلسفة الماركسية، جورج بوليتزر وآخرون، ت: شعبان بركات، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، 1970.

(2) الأدب ومذاهبه، محمد مندور، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، 1949.

(3) الأسس الجمالية في النقد العربي – عرض وتفسير ومقارنة، عز الدين إسماعيل، دار الفكر العربي، الطبعة الثالثة، 1974.

(4) الأنواع الأدبية مذاهب ومدارس، شفيق البقاعي، مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1985.

(5) التطور في الفنون، توماس مونرو، ت: محمد أبو درة وآخرون، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2014.

(6) الجدار، جان بول سارتر، ت: نجلاء نادي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2015.

(7) الخلاصة في مذاهب الأدب الغربي، علي جواد الطاهر، دار الجاحظ للنشر، بغداد، الطبعة الأولى، 1983.

(8) المذاهب الأدبية لدى الغرب، عبد الرزاق الأصفر، اتحاد الكتاب العرب، الطبعة الأولى، 1999.

(9) المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين، شكري محمد عياد، عالم المعرفة، 1993.

(10) المذاهب الأدبية، جميل نصيف التكريتي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، الطبعة الأولى، 1990.

(11) المعجم الفلسفي، مجمع اللغة العربية، الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1979.

(12) المعجم المفصل في الأدب، محمد التونجي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1999

(13) المناهج النقدية الحديثة أسئلة ومقاربات، صالح هويدي، دار نينوى، دمشق، الطبعة الأولى، 2015.

(14) المنهج الموضوعي في النقد الأدبي، محمد عزام، منشورات اتحاد الكتاب العرب، الطبعة الأولى، 1999.

(15) النظرية النقدية، ستوارت سيم وبورين فان لوون، ت: جمال الجزيري، المجلس الأعلى للثقافة، الطبعة الأولى، 2005.

(16) النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، الطعبة الأولى، 1997.

(17) النقد ومدارسه الحديثة ج2، ستانلي هايمن، ت: إحسان عباس ومحمد يوسف نجم، 1960.

(18) الواقعية النقدية في الأدب، س. بيتروف، ت: شوكت يوسف، الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، 2012.

(19) الوجودية، جون ماكوري، ت: إمام عبد الفتاح إمام، عالم المعرفة، 1982.

(20) أوجست كونت – مؤسس علم الاجتماع الحديث، فاروق عبد المعطي، دار الكتب العلمية، لبنان، الطبعة الأولى، 1993

(21) دراسات في النقد المعاصر، محمد زكي العشماوي، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1994.

(22) ضرورة الفن، إرنست فيشر، ت: أسعد حليم، مكتبة الأسرة، الطبعة الأولى، 1998.

(23) عالم صوفي، جوستاين غاردر، دار المنى، الطبعة الثانية، 2012.

(24) في نظرية الأدب، شكري عزيز الماضي، دار المنتخب العربي، الطبعة الأولى، 1993.

(25) كارل ماركس الماركسية والإسلام، كامل محمد محمد عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.

(26) ما هو الفن، ليف تولستوي، ت: محمد عبدو النجاري، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الأولى، 1991.

(28) مذاهب الأدب الغربي ومظاهرها في الأدب العربي الحديث، سالم أحمد الحمداني، جامعة الموصل، الطبعة الأولى 1989.

(29) معجم مصطلحات الأدب، مجدي وهبة، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 1974.

(30) مقالات في النقد الأدبي، إبراهيم حمادة، دار المعارف، الطبعة الأولى، 1982.

(31) مقدمة في نظرية الأدب، عبد المنعم تليمة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1997.

(32) موسوعة النظريات الأدبية، نبيل راغب، الشركة المصرية العالمية للنشر – لونجمان، الطبعة الأولى، 2003.

Ibnulyemen Arabic

Recent Posts

الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ

الْمِحْفَظَةُ الضَّائِعَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

3 months ago

الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ

الْأَخَوَانِ: سَاحِرَةُ الْغَابَةِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…

3 months ago

الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ

الْأَخَوَانِ: مَعْرَكَةُ التِّنِّينِ This story has been taken from Brothers Grimm’s Folk Tales Collections. To…

3 months ago

صَلَاةُ الْعَابِرِينَ

صَلَاةُ الْعَابِرِينَ هاجر منصور سراج  16 أكتوبر، 2025 أسكب الضوء المزيف في جيوب الفجر سوف…

3 months ago

النَّجَّارُ الذَّكِيُّ

النَّجَّارُ الذَّكِيُّ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

3 months ago

الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ

الزَّوْجَةُ الْحَكِيمَةُ This story is taken from a book entitled Tibetan Folk Tales. The book…

4 months ago